هنا اجدابيا , صفحة المقالات

هـنـا اجـدابـيـا / صـفـحـة الـمـقـالات


نـحـن مـن زاويـة أخـرى
بقلم / يوسف مرزوق يوسف
...في عالم الحيوان...يرث الأبناء صفات الآباء وسلوكياتهم ، فالـفهـد يرث عن أبيه فروه المرقط ، كما يرث عنه طبيعته المفترسة ....كما يرث صغير السلحفاة صـدفـته الصلبة عن والده ، وطـبعـاَ يرث عنه بطئه الشهير...وهذا ما عليه حال سائر الحيوانات....
الإنسان..أيضاَ..يرث عن آبائه صفاته الجسمية..أقصد لون الشعر ونوعه..ولون العينين والطول والقصر ولون البشرة
..البعض لا يعجبه لون عيونهم أو لون شعورهم فيغيرونها ..بعضهم حتى لم يعجبه لون بشرته " مايكل جاكسون " مثلاً غـيَّرَ بعمليات جراحية معينة لونً بشرته ..كما يُـقالُ أنه فد غير أشياء أخرى..!! عموماً عالم الحيوان ليس موضوعنا ولا حتى "مايكل جاكسون " .
فكما قلت لك ..يشترك البشر والحيوان في أن كلاهما يرثان صفاتهم الجسمية عن الأسلاف ..والحيوان يختلف عن الإنسان في كونه يرث عن آبائه سلوكه اليومي أيضاً ..فالقرد يرث قدرته على التسلق..مثلما ترث الطيور قدرتها على الطيران!!
الإنسان نـادراً ما يرث سلوكه عن والديه بل إن السلوك لدى الإنسان يتكون ويتحدد نتيجة ظروف تربوية وبيئية ومواقف حياتية معينة يمر بها كل فرد فـتـُكًــوٍّن سلوكَـه الخاص ..والذي لا يكون بالضرورة مشابها لسلوك والديه ، بقدر ما يكون هذا السلوك انعكاساً لخبرات وتجارب الفرد التي مــرَّ بها " هـوَ " في حياته .
لـكـن الاختلاف الحقيقي في هذا الشأن..هو توريث الإنسان لدينه أو معتقداته بشكل عام لأبنائه ..الحيوان لا يورث لأبنائه أي دين ولا أي معتقد , اللهم إلا إذا اعتبرنا شريعة الغابة وقانون البقاء للأصلح نوعا من العقائد !! ولا مانع حقيقة من أن نسلم ولو جدلا ..بأن شريعة الغابة هي بشكل أو بآخر تستطيع أن تكون نوعا من العقائد توصلت إليها أجناس الحيوان المختلفة عبر ملايين السنين خلال صراعها من أجل البقاء ..بحيث وصلت إلى أن " تـدرك " ولو بشكل فطري قانون البقاء للأصـلح , ثـم صار هـذا " الإ دراك الفطري " يولـد مع الحيوان ويـرثـه عن أسلافه .
لـــكــن ما يجدر مـلاحظته هنا هـــــو أن الحيـــوان يتصرف بشكل يجعلنا نقول أنه - فـعـلا - يؤمن بأن البقاء للأصلح ليس فقط لأنه ورث هذا المعتقد كما سبق واستنتجنا.. بل وهذا الأهم في موضوعنا ..وهو انه لم تكن هناك خيارات مـطـروحة أمــام الحيوان فلا توجد إلا هذه العقيدة ليعتنقها ..ثم ليرثها لاحقا ...
الأمــــــر مـــــــع الإنــســـــان مختلف تــمــامـــا...
لأن الخيارات مفتوحة ومتعددة على عدد الأديان والمذاهب والمعتقدات ...والإنسان له أن يدرس كل هذه الأديان والعقائد والمذاهب ثم ينظر إلى أي منها يطمئن يقينه ...فيعتنقها ..هكذا بكل بساطة ..ففي هذه الحالة باستطاعة المرء أن يزعم بأنه " مـؤمـن " بعقيدته إ إيمانا حقيقيا لأنه اعتنق هذا الدين ليس فقط لأنه دين والديه .. بل لأن هذا الدين يجيب على أسئلته إجابات يطمئن إليها عـقـله ويأنـس بها فؤاده ..ومن يؤمن بهذه الطريقة يكون قد وصل فعلا إلى نور الإيمان الحقيقي ..
لكن لـنـنـظـــــر حـــولــنــا ولـنـرصــد ..هل نـبـدأ طـريـقـنـا إلى الإيمان والى الحقيقة من حيث يجب أن نبدأ فـــعــــلا ...؟؟
ولـتـبـسـيـط الفكرة أكثر ..يمكن أن نضرب مثلا ماديا للتدليل عليها ..مـواطـن ليبـي عادي يُـــــولَــد لأسـرة عادية "" مسلمة "" - أقصد هكذا جاء في كتيب العـيلة!!! - هذا المواطن يفتح عينيه على الدنيا ليجد أبويه وأسرته يمارسون الحياة اليومية عل الطريقة الإسلامية من ناحية طقوس الصلاة والصوم والحـج إلى آخـــر العبادات الإســلامـية مـمـا يجعــلـه يـصـل الى نـوع من الإدراك البـسيط في أولـى سنـوات حياته " قبل السـابعة " بـأن هذا ما يجب أن تكون عليه حياته لأنه لا يـرى غير هذه الطقوس ولـم يسمع عن غيرها ثم يكبر في السن قليلا ..أربعة عشر سنةً تقريباً , فـإذا بـه وبـدون مـقـدمـات يجد أهــلـه يطلبون منه أن يصوم شـهـرا معـيـنـا ً كــــل سـنـة ! .. لــمــاذا يـصـوم ؟ ولماذا هـذا الشهر ؟ إلـى آخــر هـذه الأسئلة التي لابـد وأن تكــون قد دارت في ذهـنـه لـحـظـة أن طـُـــلِــب إلـيه هـذا الطـلب...لـــــكــــــن الـجــــواب الـشـهـــير والـجــــاهز: (( راجل باشـنـابـاتـك واتــدق في ارمضــان !!! ))..يأتـيـه فـوراً لـيحبـطه ولـيجعـله يـنـظر إلى الأمـر بـأنـه بـسـيـط وعـــادي وانـه يجب عليه أن يصوم , لأن مــن في سـنـه يصومـــون ..بـكـل بسـاطـة ..ينظــر إلى الأمــر بأنـه من مــتـطـلـبات البــلـوغ لا أكــــثـــر ...ثـم تتـوالى الـطـلبـات , فيـصبح مــثلا " يغـسل جـلده يـوم الجـمعة ويذهـب للجــامع ليــد عو علـــى النـصـارى " كــمـا وصـفه يومــا الـراحل الكـبـيـر " صـــادق النـيهوم "
وهـــكـــــذا يــجــد نـفـســه يمارس الصلاة والصوم وباقي العبادات , لأن النـاس يمارسونها ..وعــيب .." راجل بشناباته " !! هــــكـــذا تــصــيــر العــبادات طـقوساً اجتماعية ومــن مـتـطلــبات الإتــيــكــت الـمــحلي ..وأيضاً هي ضرورية جدا لــمــن يـهـمه تحــســن صورته عند الناس ..بدل أن تكون فعـلا إ يـمانـيـا ً من العبد تجاه خـالـقـــه ...
وهــكــذا يـصـبح هـذا المــواطـن مـسـلـماً على الأقــل ظاهــريــاً ..لــكــنه في أي حال لم يـــخـتـــر أن يكــون مـسـلـمـا ..ومـن المــؤكــد أنه كان سيــصبـح " نصرانيا " لــو ولــد لأبـوين نصرانيين ...إلخ..فهذا موجود في كل مكان أقصد عند أتباع جميع المذاهب والأديان ...فــمعـضمهم يجد دينه جاهزا أمامه قبل أن يولد ..يذهب إلى الجامع إذا ولد في بيت مسلم , ويذهب إلى الكنيسة إذا ولد في بيت نصراني , ويذهب إلى المعبد إذا كان بوذيا ..لكــنه في جميع هذه الحالات ..لــم يخـتـر ديـنه .
. وهذا هـــو بيت القصيد , فالمـرء لكــي يكـون " مؤمنا " يجب أن يكـون وفي الدرجة الأولـى مقتنعا بهذه العقيدة التي يعتنقها ...وهو لن يكون مقتنعا إلا إذا اختار وبكل إرادته وحريته العقيدة التي يطمئن إليها , وهو لن يستطيع الاختيار إلا إذا كــــانت أمامــه خـــيــارات مـتـعــددة و مخـتـلـفـة فــيـبـدأ بــاخـــتــبـــار ودراســـة كـــلا منها ويـحــكـم عليها بعـقـــله حتى يصل إلى الإيـمـان والـيـقـين الــكــامــــــل , فـيـقـرر عـنـدهـا , وعندها فــقـــط , أن يعتنق الـديـن الذي اطـمأن عـقـلـه ويـقـيـنه إلـيــه .
لـــــكـــن هـــذا لا يـــمــنع أن الـبـعض قـد لا يصل في نهاية دراسته إلى مرحلة اليقين والاقتناع الكامل بأحد الأديــان ..عــنـــدهــا ســيــكــون شـخـصـاً لا انـتـمـاءَ ديــنـيّ لــه , أي " لا ديــني " ...لــــكــــن وبـما أنــه قد وصل إلى هذه الـقـنـاعة بعــد دراســـةٍ وبــحـثٍ وإِعــــمـــال ٍ لـلـعـقـلِ والمـنطـق بـشـكــل ٍ مُــجــَّرد ..فـهـو - بالتأكــيد -ـ سيكـــون أفــضــل مِـــــن شـخــصٍ أخـــــر يــنـــتمي لــديــنٍ مـعـين فقط لأنه د يـــن آبــائـه ودين محيطه .. ودون أن يكون لديه أي قـدرٍ مـن الـقـنـاعـة بـذلـك الديـن .
وصــدق رســـول الله ( ص ) حــيـث قـــال : (( الـحـكـمـة ضـــالــة الـمؤمــن , أنًّــــى وجـــدهـا فــهــو أولـــى بـهـا )) ...والحكمة هي الحقيقة .

يوسف مرزوق يوسف
اجدابيا - 2001


العودة للصفحة الرئيسيةالعودة لصفحة المقالات


Copyright © Ajdabiya Online 2005 - All Rights Reserved