


هـنـا اجـدابـيـا / صـفـحـة الـمـقـالاتفي ديوان: الماء في سنارتي- نجوى بن شتوان بقلم / مفتاح المغـربي- عـن موقع ليبيا جيل إلى جانب احترافها كتابة المقال بمستوى رفيع ومشروع الرواية الذي تتبناه حاليا الكاتبة والأديبة نجوى بن شتوان بالإضافة إلى عدد من الأعمال الأدبية منها المجموعة القصصية التي جاءت بإسم (قصص ليست للرجال) وفوزها بإحدى جوائز مهرجان الشارقة الإبداع عن مسرحية المعطف، ها هي تعطى ليراعها أفقا آخر في كتابة الشعر بهذا الديوان الذي يأتي ضمن منشورات مجلة المؤتمر الليبية الكاتبة وكما عرفتها من خلال مقالات عديدة توزعت بين مطبوعات محلية وأخرى عربية، منها مجلة العربي الكويتية كنت أراها كاتبة للمقال أكثر منها كشاعرة، غير أن هذا النفس العميق الذي تحمله في جوانحها. يأبى إلا أن يطرق أكثر من لون إبداعي اشتمل على كل ما ذكرنا سابقا، من قصة ورواية وكتابة مسرحية في هذا الديوان وفي غيره من أعمال الكاتبة كثيرا ما كنت أبحث عن ذلك الرافد المجهول والذي تولد من وراءه كل هذه النصوص، فإذا كان الهوس والهيام بسحرالحكاية الشعبية هو روح الإبداع في كتابات القاص أحمد يوسف عقيلة مثلما كان الحلم في أعمال صادق النيهوم مادة الشعر التي تمده بالعجز الناتج من ضيق الكلمة لتبدو نصوصه أشبه بأفق متواتر غير قابل للبتر، فإن الألم كما يبدو في كتابات نجوى بن شتوان هو رديف ذلك كله. إنه الكبرياء الذي يملأ جوانح الإنسان في شخصيتها وهو أيضا ما يعطي لنصوصها كل هذه الجاذبية في هذا الديوان الذي تبدأه بإهداء جميل إلى مدينتها الأولى فتقول: (إلى مسقط رأسي ومسقط قلبي التي يتحاشاها الكلام .. إجدابيا) تأتي أولى قصائدها برفض مبدأ المساومة عندما تقول ضرع المرضعة ينفعل لحظة الرضاعة فيشتعل الفم كانه ولاعه أضربت عن سعر الحليب مذ كبرتُ واحتجيت على سعر البضاعه رغم قرائتي المتكررة لهذا الديوان عجزت عن تشخيص حقيقي لهوية نصوصه، فبدت بالنسبة لي مثل هوية مركبة ومتداخلة، فليست قومية وليست غزلية وإن كانت في حدود لغة الرفض الذي تتبناه الكاتبة أشبه بنصوص ثورية ترفض ما هو متاح دون أن تطرح بديلا كما في القصيدة الأخيرة حين تقول تمرد الكرسي على القفا الذي من سلالة المستحيل فاحترق الشاهد الاخير على وزارة التزوير النار كانت عقوبته اكلنا شيئا من الكرسي ومن قفا الوزير عليه فتعلمنا كيف نثور بالرغيف وما فيه من مناشير .. الرجل في قصائد هذا الديوان كما هو في أكثر نصوص الكاتبة الأخرى هو رجل متهم. إنها ترفض علاقة يصنع خطوطها ويرسمها طرف واحد على حساب الآخر. هي لا تساومه ولا تطلب منه شيئا، لكنها مع ذلك ترفضه بما يريد هو أن يفرض نفسه أنها ترفض وبعدائية فكرة الذكر الذي لا تعيش الأنثى بدونه عندما تقول أنتم من تحرضونه ليأتي مدفنها في السر البذرة لا تغوي أحدا فبأي حاسة يشمها المطر .. ؟ في قصيدة أخرى تبدو الصورة أكثرشمولية في تعاملها عندما تدافع عن الإنسان بصيغة المخاطب الذكوري مع ألف سلامة لتذهب الزائدة الدودية لكيس القمامة فالعصر يفوت جملا ترابنا تغير لا خجل من اكل لحم الانسان بالشوكة والسكين بلباقة عصرية وعلى راسك النادل والساقي والناذل والمسئول عن هش الذباب وتعطير المكان من روائح الدم والضمير والمسئول عن حمل عيدان الاسنان هنيئا لك بوجبة من لحم اخيك يا أعقل زائد دودي بهذا الزمان إنها لغة الألم عندما تتكلم ورغم مساحات البوح المتاحة والممتدة يأتي كل شيء صامتا حتى الأنين، لقد تنامى الألم في خلج الشاعرة فهو صديقها الأول، هي لا تشكوه وترفض لأنينه أن يعلن انهزامها. إنها عملية توظيف معقدة ففي مجتمعاتنا المحافظة لا يمكن لمخلوق أن يتألم أو يشعر بالألم أكثر من المرأة نفسها، ومع ذلك فمناعة الرجل وحصانته أكبر في مجتمع تسوده ثقافة (الراجل لا يعيبه شيء) ومع ذلك أيضا تصر الكاتبة على عدم الاعتراف بذلك كله، فيما المرأة متهمة دائما في الوفاق وفي الفراق الألم في هذه القصائد تتعدد صوره وتتعدد مصادره أيضاً، فهو تارة ألم الموت في الوحدة والملل عندما تبوح قائلة في قصيدة عصريون حفروا لها حفرة بلا تربة جدرانها الأربع من الدم تضيق وتتسع فيها السرير والستائر والأريكة والمنضدة وكانوا كل عشرة أعوام يطلون الجدران الأربعه حتى لا تشعر بالملل أو بالغربة أو بالوحدة روحها .. تارة أخرى يكون الألم ألم الفراق والتباعد تعبر عنه بصفاء مثالي ونادر حين تقول لا أحبذ الانقسام حتى من نوع الكلام الذي يفرق شفتي الى جنوب وشمال الكاتبة ووسط مهرجان الألم هذا لا تعجز أبداً عن تعريف حقيقي لمفهوم التعري والإفلاس من كل مبدأ وقيمة، معتبرة حين ترسمه في قصيدة حلول قائلة دقت الساعه رأسها غاضبة إنها الثامنة وهو بعد في الفراش ترتديه الملابس وجوارب اليوم الفائت وزوجا حذائه المطلقان فيذهب لسجل الحضور والغياب يدون نفسه ثم يعود يدخل سريره ويبدأ المنام دونما ثياب الزمن في قصائد نجوى بن شتوان لا يفقد قيمته والنرجسية المفرطة لا مكان لها، ورغم عدم إيماني بمصطلح الأدب الأنثوي إلا في حدود ما يمكن أن نعتبره من الخصوصية بمكان، أو فيما تريد الكاتبة -أي كاتبة كانت- أن ترسم من خلال نصوصها شيئا من ملامحها، أو معالم هويتها تبتعد نصوص هذا الديوان عن أي من تلك المعاني أو الإيحاءات التي كثيرا ما نتوهم مخطئين أنها ملامح لا يمكن لأنثى أن تخفيها من دفء عاطفة أو حنين إن مصطلحات الدم والذبح والقبر والدمعة والباب الموصد والسجن والمنفى مرادفات لم تترك مجالاً لذلك كله، وقد أخذت من مساحة الديوان أكثر مما ينبغي . لكن إستثناءً واحدا احتل مكانه وسط ذلك كله لا يمكن لغير الكاتبة أن يحدد وجهته وهي تعلن قائلة: في المقهى كرسي باسمه لا يقعد سواه عليه فكيف أسكنَ الحرارة فيهِ حتى طقطق الكرسي أضلعه حنيناً إليه ومع ذلك أيضاً لا تفلح الكاتبة في أن تتخلص من النظر إلى الرجل كمتهم. إنها تعيد صياغة هذا الصراع في أ كثر من صورة وهي تقول المبراة تختن القلم كيما يغدو رجلاً يتوالد بطهارة لكنها ليست مسئولة عن انحرافاته المبراة تختنه وتترك تصنيعه للمربي إن القبول بكل ما هو موروث وتقديسه عند الشاعره مرفوض تماماً احتاج لصدفة لم يطلق جدي رماله فيها صدفة لم تتكون فيها قبيلتي تأتي الرياح تستفز الرمال فتلحق بالاصداف لذا قد يقتفيني في المحيطات من جديد أثري هموم المثقف ومشاكله ومعاناته وآلامه تجد لها في قصائد الشاعرة قاسم مشترك مع آلامها الشخصية كما عبرت عن ذلك في قصيدة المحط المسمار مغروس في الحائط كشوكة في ظهر قنفذ استعمله الساكنون الذين رحلوا تعلق به المفتاح والقفة وصرة الطعام والحقيبة والسروال سكن المثقف بين الصدأ والجدار فعلق به ربطة عنقه انتفض المسمار بلغته الحياه فانتصبت من نفسها المشنقه كشوكة في ظهر قنفذ هكذا تكلم الألم في قصائد نجوى بن شتوان ربما بأكثر مما كانت تريد أن تتحدث عنه، وهكذا أيضا أرادت الكاتبة أن تصنع لقصائدها مصيرا تقليديا. إنها تتكلم بنداء المستسلم اليائس رغم ذلك الصوت الرافض الساخط الذي تميزت به ،كثر القصائد وهي تختم قصائدها فيما يشبه التأبين قائلة على لوح الزجاج التصقت فراشاتي تمزقت الأجنحة فتناثرت مدية كلماتي تقطعت رؤسها فأعفيت من الطيران جملي وعباراتي بقلم / مفتاح المغربي |