|
قف يا زمانُ واستمع ..
هذه قصة شاب من بنغازي ..
وأنا قبل أن أبدأ ..
أقدم له التعازي ..
والده كان رجل ليبي جداً .. طيب جدا...
كان يعمل في الميناء ..
يصلي الفجر حاضرا ويؤمن بالأولياء ..
وكان بلا افتخار ..
إذا رأى قطعة خبز مرمية ..
يرفعها ويقبلها ثم يضعها عند الجدار ..
وأفضل الأطعمة
لديه البازين (1)
والحساء ..
وإذا رأى في يوم ما حذاءً ..
مقلوباً يقلبه ..
اعتقادا بأنه لايجوز لظهري فردتي الحذاء ..
أن يكونا في وجه السماء ..
وفي العشية يجتمع مع الأصدقاء ..
يتحادثون .. يتناقشون ..
وأحيانا يلعبون
السيزة (2)
حتى المساء ..
ومع الآذان يقومون جماعه للصلاة ..
وعند إتمام الوفاء ..
وليمة في فرح .. أو مسار إلى قبيلة ..
أو سهرية في عزاء ..
ثم يصلي العشاء .. وينام دون قلق أو عناء ..
هكذا كان أبوه ..
وأمه كانت .. ليبية ..
عجوزاً بدوية ..
يمتلئ وجهها بالوشم والحنية ..
قلبها طيب مثل قلب عصفور ..
إمرأةٌ عادية ..
تحب زيت !
الزيتون كثيرا وخبز التنور (3)
..
وتستقبل الناس .. مرحبا بالضيف يامرحبا بالضيف ..
وهي لاتملك في البيت شيّا ً ..
هكذا بعفوية ..
وإذا مرضت تتداوى بالأعشاب الطبية ..
وطرقٍ قديمةٍ عربية ..
عشبة
الأرنب والعرعار والمغاتة واللوبان المرّ والكرويةّ
(4) ..
ولا تعرف الحقد والرياء ..
ولم تسمع يوما بالكراهية ..
مرثيتي كانت لشابٍّ ..
هو من ضلع هذه الشجرة ..
ضاعت عشرينه في متاهات وحسرة ..
أفكار توهِم رأسه الأجوف بأنه الهارون أو الكسرى ..
ولو قارنت حياته بحذاء قديم ..
لفضلت الحذاء على هذا النكرة ..
الحرف أمام المأساة صار قزما ً ..
وآه لو تزرُ الوازرةُ وزرَ أخرى ..
لأخذَت أمة محمدٍ كتابها بعكس اليد اليسرى ..
مرثيتي كانت في شاب ..
تقلّد أفكاره لون الغراب ..
إلا من رحم ربي .. إلا من تاب ..
ولكن .. هذه حكمة رب العالمين ..
من الصالح يخرج الطالح .. ومن الطالح يخرج الزين ..
والأمل دائماً باق .. وإن هددته السنين ..
فلا طفل يولد يمشي ..
ولا الطير يبعث حزيناً ..
ولا كل حزن ظاهر ..
ولا كل الدموع تعبر من الخدين ..
فاللهم اهدنا فيمن ! هديت ..
آبائنا أمهاتنا آبنائنا ..
أولي الأمر منا ..
ولا الضالين .. اللهم أمــين ..
التوقـيع
: ميلاد السـوقي
العجــوز دائماً
|