هنا اجدابيا , صفحة المقالات

هـنـا اجـدابـيـا  >  الـمـقـالات


جريمة تسير على الإسفلت
مـيــلاد الســــوقي

 

كنت متجها إلى شارع" الشريف" ، وإلى سوق الذهب تحديدا، لعل عضلات محفظتي تنتفخ قليلا، واستنادا إلى مقولة قرأتها في كتاب سمين كانت تقول : أن شخصية  الرجل في مظهره، قمت بكي قميصي جيدا، وتلميع حذائي الأسود، وهربا من التلميح  إلى اللون الأسود إن كان لماعا .. كان في نيتي امتطاء عربة الطريق، أو كما يحلو لصديقي الكوميدي الأسود أن يطلق عليها" التابوت"، ونحن نتكلم هنا عن:  "حافلة الربع" .

وقفتٌ
في شارع" الأول من سبتمبر"، شارع مصنع "كانون" للحلوى سابقا، ولا أدري من  تحت أي حجر وقفت أمامي إحداهن وانفتح الباب، وما إن هممت بدخول الحافلة  حتى سد علي الطريق .. لا أدري ماذا أقول لكم .. مخلوق نعم هو مخلوق، ولكن لا  يشبه أحدا إلا نفسه، فصرخ في وجهي قائلا :
- هل أنت مكتمل الشروط الخمس لركوب العربة؟
قلت له وعلامة استفهام بحجم فندق تيبستي تقبع فوق رأسي، مع رائحة البحيرة  المجاورة لها تخرج من جهة الباب قلت له :
- أنا أعرف مدينة اسمها "النقاط الخمس" ، ولكني أجهل هذه الشروط.
فقال لي بلهجة بنغازية حادة مثل سكين (أبوخوصة) الذي يتدلى من جيب بنطال  هذا المدعو اللا شيء :
أولا: يجب أن تملك ربع دينار، ونحن راضون إذا كان ممزقا وفي الرمق الأخير, مع خوذة رأس جيدة الصنع .
ثانيا: يجب أن تكون قد أكملت دورة صاعقة في معسكر" بوعطني" بنجاح.
ثالثا: أن يكون لديك طاقة جمل في التحمل .
رابعا: أن ترتدي حذاء سميكا - وللعلم- نحن لا نعترف بالصناعة التايلندية .
خامسا
: أن لا يكون لديك دم بالمرة .

وبدهشة معلبة في السخرية أخبرته أنني أملك ربع دينار، وهو بصحة جيدة. أما  بالنسبة للشروط فهي لاتعنيني، وأنا مصر على الوصول إلى شارع "الشريف".  فأجابني حينها: حسنا- ولكن بكلمة إنجليزية- اركب ولكن على مسؤليتك. فحركت رأسي  بالإيجاب، الذي تدور في داخله أسئلة عن هذه الشروط الغريبة، فأنا أعتبر نفسي من الرواد الجدد على هذا التابوت ...

جلستُ
, و والله لست أدري على ماذا جلست، مع الاحتفاظ بالحياء بدون قافية، ولا  أدري أيضا بقرب من جلست! هو شيء يشبه المواطن كثيرا، ولكنه ليس بالإنسان،  شيء خرج من رسومات "الزواوي" قبل التلوين، أو من خراريف "حني"

فجأة.. انطلقت العربة بسرعة قصوى دفعة واحدة، ثم توقفت بعد هنيهة مرة واحدة  فارتطم رأسي بشيء صلب, كان الكرسي الذي أمامي، وقبل أن أتفوه ببنت شفة، أدركت لماذا كان هناك بند خاص بلبس خوذة جيدة الصنع، وبعد قليل قام السائق بإدارة جهاز "قاريونس" فخرجت منه أصوات لست أدري ما هي( وإن أنكر الأصوات
لصوت الحمير). فقد كانت مكبرات الصوت تملأ التابوت، وهذا تناقض مسموح به في  استعمال الكلمة، وبما أنه كان في العربة عناصر من النساء فقد كانت كلمات  الأغاني والأهازيج بها ألفاظ غريبة غير لائقة، وبمروءة ليبية معهودة طلبت من  السائق أن يخفض الصوت أو أن يطفئه، وقبل أي سابق إنذار ترك المقود سيدي  السائق، والتفت ناحيتي بشكل أدركت حينها أنني إذا زدت كلمة واحدة على ما قلت،  فسوف يستضيفني مستشفى الجلاء- النظيف والمحترم- لفترة ليست بالقصيرة، وقال،  والشر يتربع في عينيه الحمراوين :
- نيتك في عرس أنت؟
فلاحت
في مخيلتي صورة لأعراسنا .. خـيم .. طلقات نارية .. ذبح .. صريخ.. فقلت له: شكرا... وعرفت في التو معنى البند الخاص بأن لا يكون لديك دم  بالمرة!.

وبعد صرخات من المذياع وصمت مني، قال السائق للمخلوق الذي أدخلني العربة:
- ولع الرياشة!!
فقلت في نفسي : رياشة؟!.. دجاج .. صندوق متحرك .. حينها أخذ يصيح صاحبي هذا :
- الربع يا شباب ! ... الربع يا حاجة .. الربع أنتِ يا حلوة واللا خليها علينا ..
مخلوق كتب على أسنانه: (نعم للرياضي، وليسقط معجون الأسنان)...

وبعد أن نتف ريشنا، ودون  سابق إنذار صرخ الشيء الذي يجلس بقربي بصوت لم يبقي بعده لأذناي طبلة ولا حتى  بندير" قائلا :"
- هنا يا سواق !.
ودون أي اهتمام، وقف ثم داس على رجلي بقوة، وكأنه يطفيء سيجارة من نوع "أطلس" ولما كلمته  :
- يا أخي رجلي.
لم يعرني انتباها، ومع الألم.. جاء في مخيلتي بند "الكندرة العسكرية".
بعدها وقف عند الباب، ودون أن تقف العربة المسرعة، قفز منها وهي تسير!!
أقسم بذات الله - رأيته بأم عيني التي سوف يأكلها الدود، والتي تغطيها نظارتي السوداء، رأيته يقفز، ولكني تذكرت حينها معسكر" بوعطني" ودورات الصاعقة،  فانخفض منسوب اندهاشي قليلا...

 وقبل أن نصل إلى ضريح "عمر المختار"، هذا العجوز  الذي دوخ الإيطاليين وهم يطاردونه، وها هو يدوخنا نحن أيضا في مطاردته، وقبل  أن نصل، صرخت أنا أيضا "بالشفرة" : هنا يا سواق !..
ووقفت عند الباب، وقرأت ما تيسر لي من القرآن، ثم قفزت بعد أن تفوقت على الجمل في قوة التحمل، وأنا مصاب بكسور داخلية في الكرامة، ومصاب بمهانة حادة، وخدوش في الأخلاق، وهبوط مزمن في المعنويات، واستنشاق أنواع عديدة من روائح الإبط النفاذة.

بعد مرور فترة ليست بالقصيرة كنت في زيارة أحد الأصدقاء، وحين دخلت  "المربوعة" وجدت عنده العديد من الأشخاص يلتفون حول أحدهم، يخبرهم بقصة كان هو  بطلها. بعد السلام جلست استمع أنا أيضا، حينها أخذ يقول :
- " حين اقتربنا من ضريح عمر المختار، وقف الرجل الذي يجلس بجواري، الذي  أخبرتكم عنه، صاحب الحذاء العسكري، وداس على رجلي بقوة دون أي اهتمام بألمي وأنيني، ثم فتح باب العربة وهي تسير، أقسم لكم بالله أنه قفز منها وهي تسير.."

وقبل أن يلاحظ أحد, قمت بإخفاء نظارتي السوداء في جيبي، حتى لا يراها هذا المسكين .

 مـيلاد السـوقـي
العجـوز دائـما..
بـنغـازي
1998
 


العودة للصفحة الرئيسية العودة لصفحة المقالات


Copyright © 2005 Ajdabiya Online  - All Rights Reserved