هنا اجدابيا , صفحة المقالات

هـنـا اجـدابـيـا > الـمـقـالات

دموع ........ من القلب

محمد بوبكر المعداني

 

ماتت أمي .. توقف الفؤاد النابض الذي طالما حمل أحزاني بين طياته عن الخفقان .. لم تستطع أيدي الأطباء الذين اجتمعوا حول سريرها القابع في قسم العناية بالمستشفى المركزي للمدينة التي نقيم بها, أن توقف يد القدر التي أرادت لذلك القلب أن يتوقف .. لم تجده الأجهزة التي كانت تتولى مهمة تنشيطه ومراقبة حركته البطيئة.

قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة وقفت مشدوها أمام جسدها المسجي في غيبوبة ... الألم يعتصر قلبي والحيرة تتلاعب بعواطفي مثلما تتلاعب العواصف بأوراق الخريف .. أرى شبح الموت يزحف حثيثا نحو تلك الإنسانة التي وهبت لنا الحياة ولا أستطيع صده عنها .. في تلك اللحظات أحست أن الموت إذا ما اختطفها سيختطف معها سعادتي و ابتسامتي للحياة .. سينضب ينبوع الحنان الذي يتدفق بغير حساب .. لكن حان أجلها ..لا أنا ولا أطباء العالم نستطيع أن نمد في سنوات عمرها أكثر مما كتب لها الله سبحانه وتعالى أن تعيش .. ملائكة الرحمة التي استجديتها أن تهتم بها وتلازم غرفتها لم تستطيع أن تمنع روحها الطاهرة من الانتقال إلي جوار ربها ..
وجدت نفسي مرغما على تقبل ذلك الأمر .. فكافة إمكانياتي و إمكانيات أمانة الصحة عاجزة عن تغيير ذلك المصير.

أود البكاء و لكني أقف عاجزا حتى عن تحقيق تلك الرغبة .

حينما اغرورقت عيناي بالدموع , نهرني الحاضرون كأنما ارتكبت فعلا فاضحا على مرأى من المعزين .. بكاء الرجال عيب.

تلك هي الحقيقة التي أكدها الجميع .. غاصت الدموع في إحداقي فخروجها يعني اهتزاز رجولتي.

كانوا يؤكدون بأن الحزن في القلب, حتى أني اقتنعت أن أولئك القوم الذين يلتهمون بشراهة القطع الكبيرة للحم الخروف الوطني الذي إهدار دمه مع باقي القطيع إحياء لتلك المناسبة , قلوبهم تقطر دما , ولكن لا علاقة بين القلب والمعدة.

كدت أصدق أن من يتبادلون النكات ويسترقون الضحكات هم أيضا يشعرون بلوعة فراقـها ...

.. ولكن لا بأس من الترويح عن النفس بين الحين و الآخر .. كيف أستطيع عمل ذلك ؟

كيف أغتال مشاعري , وأحبس الدموع التي تود أن تتحرر وتنفجر متوجهة من مقلتي ..

كيف أضع جدارا سميكا حول فؤادي و أمنعه من أن ينفث أحزانه .. كيف أتظاهر برزانتي وأتصنع أنني أقوى من أمر فقدي لأعـز الناس على قلبي.

أمي .. حين فقدتها شعرت أنني فقدت كل شيء ..

فقدت الصدر الحنون الذي أسند إليه رأسي حينما يكون مثقلا بالهموم, واليد التي تباركني في صراعي مع الحياة والعين التي تحرسني حينما أواجه المخاطر.

لن أسمع بعد الآن صوتها شجيا يقول لي كلما خرجت من المنزل الذي كانت تظلله بحنانها: ( الله يربحك) ..

عبست الحياة , وغاب القمر الذي كان ينير ليلى القاتم السواد.

العبرات تخنقني,  ولكني لا أستطيع أن أطلق العنان لمشاعري الجياشة لتعبر عن لوعتي على موت من كانت الجنة تحت قدميها .. فأولئك القوم الذين ترسب الجهل في أعماقهم يحيطون بي كما تحيط قضبان السجن بالسجين .. نظرات السخرية التي لمحتها في عيونهم حينما ابتدأت قطرات الدموع تنهمر علي وجنتي هي ما أوقفت ذلك السيل الهادر الذي أنجرف حينما تأكدت من أن من كانت تؤنس وحدتي أصبحت طيفا لا أراه إلا في خيالي .. سأبكي رغم استنكارهم لبكائي .. سأبكى.

سأذرف الدموع غزيرة.. عسى دموعي أن تكفر عن ذ نبي إذا قلت لها .. يوما ما .. في لحظة غضب ..( أوف).

 


محمد بوبكر المعداني
بنغازي -  كاتب ومحـرر صحفي

للمراسلة والنقد و إبـداء الرأي :
mbubkr@yahoo.com
 

 

 


العودة للصفحة الرئيسية العودة لصفحة المقالات


Copyright © Ajdabiya Online 2005 - 2006. All Rights Reserved