


هـنـا اجـدابـيـا / صـفـحـة الـمـقـالاتبقلم / يوسف مرزوق يوسف .. على مدى العقود الماضية , و منذ نهاية القرن التاسع عشر تحديدا , حينما بدأت الحياة على هذا الجزء من ليبيا المعروف باسم ( اجدابيا ) تتخذ طابعا ً مدنيا ً و حضريا ً , بمعنى هجرة ُ الناس ِ بيوتَ الشـَـعـر ِ والخيش ِ في البادية .. ليسكنوا بيوت الإسمنت أو الطين , كان من المتوقع أن يكون من مقتضيات هذا الا نـتـقـال أن يترك ( المهاجرون ) العقلية القبلية وطريقة الحياة التي كانت تفرضها عليهم طبيعة الحياة في البادية , وأن يستعيضوا عنها بعقلية مدنية ..ولو الى حد معين لكن الذي حدث كان شيئاُ آخر . فإنه وحتى هذه اللحظة , ونحن ندخل السنة الخامسة في الألفية الثالثة , وفي ذلك ما فيه .. من مظاهـر ثورة المعلومات والاتصالات و العولمة .. والتغييرات الجذرية التي تشمل جميع مناحي الحياة في العالم من حولنا , .. بينما ضلت عقلية البادية هي المدرسة الفكرية الوحيدة المسيطرة على المشهد الفكري في اجدابيا , وأعراف القبيلة هي العرف الوحيد والعامل الرئيسي في تشكيل ثقافة هذه ( المدينة ) فكريا واجتماعيا ... فما نراه من اجتماعات , وما نسمع عنه من ( كولسات ) في أيام ( التصعيد ) الذي يـُـجرى لاختيار أمناء اللجان الشعبية المحليين . ما هو إلا انعكاس لعقلية القبيلة فحينما كنا نسكن البادية .. نرافق الماشية إلى المرعى , كانت القبيلة هي الكيان الذي يحمي كل مجموعة من الناس , بمعنى أن النجوع كانت غالبا تتكون من أبناء القبيلة الواحدة , ومكان تواجد هذه القبيلة أو تلك في البادية هو ليس شيئا عشوائيا بل هو عملية محددة بكل ما في كلمة دقة من معنى . فكل قبيلة تعرف حدود نفوذها . وكل القبائل الأخرى تـتـفق على هذه الحدود وتحترمها , فلا يحق لأحد أن يتعدى على أرض هذه القبيلة .. لترعى ماشيته كلأها مثلا أو تــِـرد مائها .فكل الأراضي مقسمة على القبائل وفق عرف قبلي معين في ما يمكن تسميته ( سيادة القبيلة ) ..و بنفس العـقـلية التي كانت تقسـّـم المراعي بين القبائل .. راحت تقسم المناصب الادارية عند التصعيد .. فلا يكون نتيجة هذا التصعيد رجلا مناسباَ ( أو امرأة ) في المكان المناسب , بل .. يكون التوزيع وفق ( الكولصات ) والاتفاقات القبلية تماما كما كان يحدث عند تقسيم المراعي ..!! والقبيلة الأكثر عددا ً هي التي تحصل على أكثر أو أهم المناصب . وليس هذا فحسب , بل إن ( المـُـصَـعّـد ) حديثا , سوف يقوم باستبدال كل الطاقم الإداري معه في الأمانة , بمجموعة من أبناء قبيلته ..!! ليضمن ولائهم ..!! ( من قال أنه يجب أن يكون هناك ولاء من الأساس ..؟ ) ..أليس من المفترض أن هذا ( الأمين ) هو موظف يقوم بوظيفة معينة لوقت معين ..؟ إذن ما علاقة الولاء في الموضوع ...؟ الجواب طبعا : أن حضرة السيد الأمين , والمجموعة أو التـكـتـل القبلي الذي أوصله لهذا المنصب , يتوقعون إنجاز مصالحهم ومصالح معارفهم قبل مصالح الوطن , مما يقتضي الولاء التام والتعاون من المحيطين بالأمين , لأن هذه العملية تكتنفها الكثير من الاختراقات للقانون .. إلخ ... وسرعان ما تنقضي فترة تولي هذا ( الأمين ) لأمانته , بدون أن يكون قد عمل أي شئ للناس في الشارع , للوطن .. وتكون الميزانيات ضاعت هباء منثورا , ليأتي بعده أمين آخر يـبدأ نفس القصة الحزينة .. لماذا لا يكون هذا المنصب ( الأمين ) أكثر احتراما ووقارا ..؟ لماذا كل أمين .. مشكوك في سمعته إلى أن يثبت العكس ..؟ لماذا لا يعمل الأمناء خططاَ خمسية وعشرية للمستقبل كل في أمانته للارتقاء بالمستوى الإداري والمعيشي و الخدماتي للناس ..؟ لماذا لاتكون هناك خطط خمسية وعشرية فيكمل الأمين الحالي ماسبقه فيه الأمين السابق , ويكون هناك ( أمانة ) حقيقية فيما يخص الميزانيات , والعطاءات .. فلا تـقـتـصر على حفنة من مصاصي الدماء ( القبليـيـن ) . ولماذا نحن المواطنون .. نـصـرّ على أن نزود هذه الماكينة الشيطانية بالوقود !!؟؟ أقصد ألسنا نحن المواطنون بالذات هم الذين سلمنا أنفسنا وقبلها ( أصواتنا ) للزعماء القبليين الذين يُـنـصّـبون من الأمناء من يشتهون لتحقيق مصالحهم وأطماعهم التي لا تنتهي ..؟ هذا النظام الإداري ..- وهو نظام الشعبيات - , نظام جميل وراقي وبديع , فكان من المفروض أن يتحسن مستوى الخدمات للناس عمّا كانت عليه حينما كانت هناك مركزية الإدارة . لأن نظام ( الشعبيات ) يشترط أن يكون تسيير كل شعبية من داخل أبنائها الذين يفترض أنهم الأحرص على مصلحتها , والأدرى باحتياجاتها , لكن انظر مالذي يحدث حولنا ..وانظر كيف حوّلنا هذا النظام البديع ..إلى أكبر شبكة فساد إداري .. كل ذلك بسبب خطأ بسيط لكنه قاتل , السبب كما هو واضح , هو أننا على مايبدو لم نلاحظ بعد أننا لم نعد نسكن البادية بعد الآن !! لم ندرك أننا أصبحنا نعيش في مدينة , وان هذه المدينة يفترض أن تكون بوتـقة تـنصهر فيها كل الانتماءات القبلية في هوية وطنية واحدة هذا يذكرني بأسطورة ( أوديسوس ) بطل إلياذة هوميروس الشهير , عندما نجا من الغرق بعد أن تمسك بمجذاف خشبي أوصله إلى يابسة ( إيثاكا )..وبعد أيام من المسير داخل اليابسة , استوقفه غريبٌ ليسأله : لماذا تحمل هذا المجذاف ؟ وعندها فقط أدرك أوديسوس أنه قد غادر البحر .... نحن أيضا .. ياترى متى سيستوقفنا غريب ٌ ليسألنا : أيها الاجدابيون ..لماذا تتمسكون بالقبلية ..؟ أنتم في أمان ٍالآن ..انتم في المدينة يوسف مرزوق يوسف |
