


هـنـا اجـدابـيـا / صـفـحـة الـمـقـالاتبقلم / يوسف مرزوق يوسف في الفترة الأخيرة , وفيما بدأ يشكل ظاهرة ً حقيقية نعيشها كل يوم , حكايات بطلها المطلق الجن.. نعم ( تستور..!! ) يتناقلها الناس كل يوم . عن ضحايا هذا العدو المرعب الخفي !!وفي مواجهة هذا العدو الجبار ..وكما في كل حكاياتنا المليئة بالبطولات ..ظهر أبطال يتصدون له وللأعـيـبه الخبيثة!! ..أبطال تسميهم عجائزنا ( بالـفـقها ) ..ويحبون أن يسموا أنفسهم بالمعالجين بالقرآن الكريم قبل أن امضي قــُدُمـًا في هذا المقال , يجب أن نتـفـق على بعض البديهيات أولها ..أنه قد بتّ علماء ومراجع الأمة في حقيقة عدم إمكانية ( تـلبـُّـس ) الجن للإنسان ..بالكيفية التي يدعيها هؤلاء ( الفقها ) ويحاولون إقناعنا بها . فقد أقـرّ العلماء بحقيقة وجود الجن لورود ذكره في القرآن الكريم , لكنهم أكــدوا عدم منطقية و إمكانية حدوث تلبس الجن للإنـس ونفـوه نفيا نهائياً فلم يرد في الكتاب أو السنة الشريفة ما يدعم هذا الزعم بإمكانية تلبـس الجن للإنـس .إذن انتهينا من هذه البديهية , وبالإمكان مراجعة أراء كبار علماء الأمة بهذا الخصوص لمن يريد مزيدا من التفصيل , لأنه ليس من مهمة هذا المقال البسيط الخوض في هكذا تفاصيل البديهية الثانية التي نريد أن نتفق عليها , هي حقيقة أن علم النفس الحديث قـد وضع إصبعـه على التفسير المنطقي والعلمي الوحيد لما نسميه نحن العامة ( بـالـمـس ) .حيث وبدون الخوض في الكثير من التفاصيل ..التي لا داعي لتكرارها لتوفرها في مصادرها لمن يهمه البحث .. لبعض الاستنارة في هذا الخصوص .لكن باختصار , يقول علماء النفس أن ما تسميه العامة بالمس , هو مرضٌ نفسيٌ كلاسيكي معروفة ٌ أعراضه وموصوفٌ علاجه وأن طلبة الطب النفسي يدرسونه على انه من ( ألف باء ) طب النفس .فقالوا أن ( الأنا العليا ..والأنا السفلى ) هما المسؤولتان عن التغير الذي يطرأ على صوت مريض هذه الحالة حتى ليبدو صوت المرأة رجوليا ً أو العكس , أو ما قد يبدو حديثا بلغةٍ أخرىيـبدأ المريض بالرطانة بها أثناء نوبة المرض نستطيع الآن وقد اتـفقـنا على الأرضية التي سيـبني عليها هذا المقال تفسيره و رؤيته لظاهرة الجن التي بلغت درجة من التـقـزز والعبثية المقيتة بحيث لم يعد مقبولا ً السكوت عنها , أن نبدأ فيما يريد هذا المقال أن يطرحه .من الملاحظ أن هذا المس المزعوم لا يطال في غالب الأحيان إلا النساءَ والفتياتِ .فإمـا أن يكون معشر الجن يعانون من صعوبات حقيقية في العثور على زوجاتٍ في عالمهم ..ربما لمشكلة السكن أو لغلاء مهورهن ..!! أو أن نساءنا وفتياتنا يعانين من مشكلةٍ ما , أدت لتطور الأمور بهذا الشكل الغير عقلاني .لا أعرف ما الذي سترجحه أنت ..لكنني شخصيا أميـلُ للاحتمال الثاني .وأميـل للاعتقاد بأننا نحن كمجتمع هي المشكلة الوحيدة التي تعاني منها فتياتنا ونساءنا .فالفتاة في مجتمعنا , التي يتم سجنها الجبري داخل بيتها ..!! منذ أن تبلغ سن العاشرة , هي بالتأكيـــــد ستعاني من مشكلة ما على الأقل إنسانٌ بكل الإمكانات الجبارة التي أبدع الخالق في تزويده بها , من عواطفَ خلاقة وعقل ٍ مبدع ..وجوارح لا تعرف حدود الممكن . كل هذا ملغي في عرف مجتمعنا الذي ينكر على المرأة كونها إنسانا , وينكر عليها أن تخرج وتبدع وتصنع لنفسها وللآخرين مصيرا لا ينبغي أن يكون غيرها هي وحدها من يصنعه هل يمكن أن نضع نحن ( الذكور المحظوظون ) أنفسنا في مكان بناتنا أو أخواتنا ليسهل علينا أن نتـفهم , كيف يقضين أيامهن في بؤس ٍ مطلق , نحن الذكور بالذات من خلقناه لهن !!؟....هذه الفتاة التي تتعلم منذ صغرها أن صوتـَـها عورة , ووجهـَـها عورة وان كل ما يمكنها أن تفعله في حياتها هذه هي أن تختفي داخل بيتها انتظارا ً ( لابن ِ الحلال ) ..ثم ليسجنها ابنُ الحلال ِ هذا في بيته لاحقا كيف نتعامل مع المرأة في مجتمعنا كأخت ..أو ابنة ..؟.. من السهل جدا أن تدرك إذا نظرت حولك أن المرأة في مجتمعنا تـعامل على أنها مخلوق غير مرغوب فيه , وان عليها أن تحمل وزر كونها خلقت بهذه العاهة العار التي خلقت بها - كونها أنثى - طوال عمرها لا تعيش طفولتها , ولا مراهـقـتها ولا شبابها .. منذ كونها طفلة , لعبتها المفضلة هي ( العرايس و الأمهات ) .. تتعلم أنها خلقت لتـنتـظر ..شيئا قد يأتي وقد لا يأتي ..وغالبا ما يأتي بما لا يستحق كل ذلك الانتظار على أية حال في أثناء هذا الانتظار .. قد تجلب لها بعض وسائل الإعلام التي تستطيع الاطلاع عليها بعد إذننا !! ما يبعث على حزنها وكآبتها .. حينما ترى نفسها تهدر إمكاناتها بين هذه الجدران الكئيبة ..وتهدر معها حياتها وشبابها وأحلى سني عمرها .. تخيل نفسك ( عزيزي الذكر المحظوظ ) في مكانها في هذه اللحظة بالذات .. هل تعتـقـد انك ستستوعب هذه المفاجأة المذهلة ؟ وان نفسيتك لن تتأثر ..وأنك لن تـعـاني من عوارض الاكتـئاب .. ( الذي تسمـّـيه عجائزنا بالمس !! )..؟؟.. أنا أقول لك : انك لن تستطيع أن تحافظ على اتزانك العاطفي والنفسي , ستـنهار .. تشعـر بالاكتئاب في احسن الحالات ..لأن أي إنسان طبيعي , ستكون هذه هي ردة فعله الطبيعية في موقفٍ كهذا . مهما بلغت رصانة أو بلادة هذا الإنسان !!. ..وأنت تعرف طبعا باقي القصة , حيث ستهرع أم هذه الفتاة التي غالبا ما تكون أمية , إلى ما تربت على كونه العلاج الوحيد لاكتـئاب ابنتها ( المس والعين ) وهو ( سيدي الفقيه الفلاني ) ( سيدي الفقيه ) هذا, قد يكون من جماعة ( البنادير إيـاهم ) ..وفي هذه الحالة لا داعي لإضاعة الوقت للتدليل على عبثية وتخلف هذا النوع من الممارسات البدائية المقززة في تخلفها وتخلف من يؤمنون بجدواها أو قد يكون ممن يسمون أنفسهم ( بالمعالجين !!! بالقرآن الكريم ) . وفي هذه الحالة لعـله من المفيد أن نـلـق ِ نظرة ً أولا على أسلوب هؤلاء في العلاج قبل أن يكون بإمكاننا الحكم على هذا الاسلوب حكى لي بعض الأصدقاء والمعارف ..انهم شاهدوا هؤلاء يعالجون ( مرضاهم !! ) كما يلي : يأتي ( المعالـِـج ُ ) بماءٍ مقروءٍ فيها بآياتٍ من القرآن الكريم ثم يطلبون من ( المريضة ) أن تشرب من الماء , ثم يقرأ في كوب من زيت الزيتون ..( نعم , كوب من زيت الزيتون !!! ) ويطلب منها أن تشربه كله , فإذا ( طرشت ) أو أرجعت المريضة بفيها ما شربته من زيت , تكون المعجزة قد حصلت وتم ببركات الشيخ قهر الجن .. فيخبرها المعالج انه قد خرج مع ما رجعته من فيها ..!!! ( وعادة ما يقول لها أن ما بها كان من أعمال السحر ..!! ) وإذا لم ترجع الزيت من فيها , يقول لها أن هذا الجن من النوع المتمرد ..!! ويلزم له اكثر من جلسة للعلاج ..والكثير من ( كبابي الزيت ..!!! ) . طبعا من المعروف أن الزيوت بكل أنواعها منهي عن تناولها بهكذا كميات ..لأنها السبب الرئيسي للكولسترول الذي يؤدي لتصلب وانسداد شرايين القلب . أطباء وأخصائيو التغذية طالما نهوا عن تناول اللحوم أو المقالي بكثرة , لما تحويه من الدهون , بنسب خفيفة وغير ظاهرة , فما بالك بأكوابٍ ممتـلـئة من الزيت الخام ..؟؟؟؟؟؟؟عموما المريضة ســ ( تطرش الزيت غصبن عنها !!! ) فهذه ردة فعل فسيولوجية طبيعية حسب ما يقوله الأطباء ولا علاقة لبركات ( الفقيه ) بهذه البديهية الطبية الساطعة هذا أولا , وثانيا ..إذا كان العلاج يتم بالقرآن الكريم كما يقولون , فلماذا يجب أن يقرأه هم وحدهم ..؟ لماذا لا يقرأه أهل المريض أو المريض بنفسه ؟ طبعا الكثير منا سمع عن ما يسببه اللجوء لهذه الأساليب في العلاج من كوارث اجتماعية حيث سينسب( المعالج ) في كثير من الحالات ( السحـر ) إلى شخص بعينه , عادة ما يكون من الأقارب ..!! فتنشأ خلافات عائلية هي آخر ما كان الجميع يحتاج إليه ..!! بالمناسبة , ينتابني فضول لأعرف كيف يمكن ( للمعالج) أن ينسب السحر لشخص بعينه ؟؟؟هل هو و - استغفر الله - على علم ٍ بالغيب مثلا ..؟ أم أن صاحب السحر قد أســرّ له بفـعـلتـه ؟ ناهيك عن ما سمعناه جميعا من كوارث إنسانية لبعض من قادهم حظهم السيئ لأمثا ل هؤلاء المدعين , فكلفهم ذلك حياتهم , حيث أن أجسامهم لم تحتمل كميات الزيت التي تناولوها , وتطورت حالتهم حتى انهم في النهاية لجـئـوا للطـب الحديث بعد أن نفض ( الفقي ) يده منهم ..لكن للآسف بعد فوات الأوان . المحزن في الأمر أن الفاعل سينجو بفعلته , وكل ما عليه هو أن يذكر أمام أهل المريضة أن الجن المتمرد ( حلف بالطلاق ) أن لا يخرج إلا بروحها ..!!! وكأني بعزرائيل تخلى عن مهمته الآن لهؤلاء الجنون المردة ..!! لا نقول إلا حسبنا الله ونعم الوكيل أعرف أن هؤلاء المعالجين هم شباب يظنون أنهم يحسنون صنعا , وانهم يفعـلون خيرا بأفعالهم هذه ولا يفعلونها رغبة بالضرر , نتمنى أن تكون بعض الحوادث التي صارت مؤخرا على أيدي بعضهم قد علمتهم أنهم على خطأ وان يتركوا أهل الاختصاص الحقيقيين , أطباء النفس والأعصاب , يمارسون عملهم لأنهم وحدهم الأقدر على المساعدة في هذه الأمور . ولنلتـفت نحن لأخواتنا وبناتنا , نرفع من معنوياتهن , نوفر لهن التعليم والتربية اللائقة , التي لا تفرق بين ذكر وأنثى , ونحثهن على الاعتماد على النفس ..ودخول سـوق العمل لتحقيق الاستقلال المادي , الذي سيغنيهن عن التبعـية لأي رجل ..سواءً كان أباً , أخـا ً أو زوجـا ً . فيكون لها الحق وحدها في تحديد مصيرها ولنترك قليلا انشغالنا بإيجاد عدونا الوهمي الخفي ( الجن ) , ولنلتـفـت لحياتنا اليومية , نحاول أن نهزم أعدائنا الحقيقيين , من فـقـر ٍ وتخلف ٍ , وقبـلـية وعاداتٍ بالية . كي نحسـّـن من ظروف حياتنا , ونخلق غدا أفضل للقادم من أجيالنا نساؤنا وفتياتنا , لا يعانين إلا من نوع واحدٍ من الجن .. وهو ( نحن ) بتدخلنا وتضيـيقـنا عليهن في كل شئ , فـمـِـن أين نريد أن نخرج ..؟ من إصبعها أو من عينها ..؟ بروحها أو بقلبها ..؟ لماذا لا نحاول طريقة ً مضمونة هذه المرة , ولنخرج من ( حياتها ) ..لنخرج للأبـــد يوسف مرزوق يوسف اجدابيا - 14/3/2005 |
