في كل مدينة في هذا العالم , هناك مبنى ما, يكون بمثابة رمز لهذه المدينة, تقترن صورته باسم هذه المدينة أو تلك, كبرج إيفـل ومدينة باريس, روما ومبنى الكولوسيوم, سيدني ومبنى الأوبرا..نيويورك وتمثال الحرية ...دبي وبرج العرب..طرابلس والسرايا الحمراء أو أبراج ذات العماد....إلخ .. فهناك اتجاه يبدو متأصلا لدى البشر لربط كل مدينة برمز ما من رموزها المعمارية .. و هذا الكلام ينطبق حتى علينا نحن في مدينة اجدابيا باعتبارنا من هؤلاء البشر .. على الأقل..
وبهذا الخصوص, فقد أجمعت العديد من المصادر على اعتبار المبنى التاريخي المعروف بمبنى " المتصرفية سابقا" إلى جانب القصر المحصن الشهير بالقصر" الفاطمي" هما الرمزان المعماريان لهذه المدينة.. و لا ضرورة لسرد الحقائق والمعلومات بهذا الخصوص , فأعتقد أن لا أحد سيختلف على هذا الرأي , على اعتبار أنه لا توجد مبانٍ غيرهما تقريبا في اجدابيا ممكن أن تنافسهما على هذا الشرف ...... و هنا قد يتساءل البعض : (أوكيه) لكن ما هي مناسبة هذه الخطبة المملة , بحق السماء!؟
هنا , و بدون الخوض في المزيد من المقدمات سأقول لكم أيها السادة, أن مبنى المتصرفية, رمز مدينتكم .. في خطر...في خطرٍ شديد يهدد وجوده... فهل أنتم مهتمون؟؟
إذا كان الموضوع يهمكم, فيمكنكم متابعة قراءة هذا التحقيق , الذي رصدنا فيه كل ما يتعلق بهذه القضية من جميع جوانبها, ومن مختلف المصادر التي لها علاقة بالموضوع .
في الواقع, هناك أخطار وليس مجرد خطر واحد... أول هذه الأخطار : هو الاعتقاد الخاطئ لدى البعض , بكون المبنى من مخلفات " العهد البائد" .. وبناء عليه فقد تردد في وقت من الأوقات اقتراح بأن تتم إزالته من الوجود تماما ... لكن يبدو – والحمد لله – بأن هذه الحجة الواهية , المبنية على معلومة تاريخية خاطئة ...لم تقنع آحدا ...
لكن , هل مبنى المتصرفية مبنى ملكي " من العهد البائد" فـعـلا وحقيقة ؟!
هذا ما سنجيب عنه في الفقرة اللاحقة وبالوثائق والصور التاريخية الموثـقـة. لكن دعنا قبلها نمض في استعراض باقي المخاطر المهددة لـرمـز مدينتنا..
الخطر الثاني : هو أعمال (( الصيانة )) التي بدأ العمل بها منذ فترة , ووصلت إلى تقشير طبقة اللياسة الخارجية للمبنى التي تحميه, وتوقفت عند هذا الحد منذ بضعة أشهر ..تاركة المبنى عارياً, ومجردا من لياسته الخارجية ..والشتاء على الأبواب بأمطاره ورعوده وزمهريره ..تـاركــين أحجـار المبنى العتيقة في ( وجه العاصفة) حـــرفـيـــاً.
الخطر الثالث : تقسيم تبعية المبنى, حسب الجهات العامة المنتفعة به, إلى العديد من الأجزاء , المنفصلة عن بعضها. إذ حتى في (( الصيانة)) يتم صيانة كل جزء وفق رؤية مختلفة عن باقي الأجزاء (!!!!!) مما يترتب عن ذلك عدم وجود جهة واحدة مسئولة عن المبنى حتى يمكن محاسبتها إذا ما قصرت أو أخلت في أي ناحية من نواحي انتفاعها بالمبنى . بالإضافة للتعديلات والتقسيمات التي أدخلتها الجهات المنتفعة بالمبنى على الشكل أو التصميم الأساسي له, بإضافة حجرات, أو فتح بعض الحجرات على بعضها, وتحويل أخرى لدورات مياه...إلخ
هذه كذبة , أو إذا أحسنا النية بأصحاب هذا الزعم فسنقول أنها جهـل بأبسط حقائق التاريخ..
إذ من المعروف أن العهد البائد ( عهد المملكة الليبية) بدأ تاريخيا في عام 1951 م. هذه حقيقة تاريخية معروفة , لا مجال للاختلاف حولها... فالمنطق يقول , أنه إذا ثبت بالوثائق والمصادر التاريخية الموثقة , أن المبنى قد تم بناؤه قـبـل هذا التاريخ ( تاريخ العهد الملكي) ... إذن فهذا يعني أن المبنى لا علاقة له بعهد الملكية في ليبيا بأي شكل. أفترضُ أننا متفقون مبدئيا , على هذه البديهية الساطعة..
وعليه , نسوق لكم بعضا من هذه الأدلة التاريخية ...
صورة حصرية جدا لمبنى التصرفية عام 1941 م
نشرت جريدة"Die Wehrmacht " الألمانية عام 1941م الصورة أعلاه على صدر إحدى صفحاتها عام 1941م مع مانشيت فوق الصورة كان يقول :
" بعد أن كان لفيلق أفريقيا الألماني مواجهته الأولى مع العدو بمنطقة ( العقيلة) فإن الزحف الألماني-الإيطالي المشترك على طول الساحل الليبي قد بدأ. وكانت اجدابيا أولى المدن الكبيرة التي أمكن احتلالها من الوحدات البريطانية".
المانشيت لا علاقة له بما نتحدث عنه هنا في هذا التقرير بقدر ما تهمنا الصورة المرفقة به. أما لماذا تهمنا هذه الصورة فلذلك عدة أسباب..
أولها: أنها تثبت بالدليل القاطع أن مبنى المتصرفية هو مبنى إيطالي, على اعتبار وجوده قبل العهد الملكي في ليبيا وأن لا علاقة إطلاقا, لبناء هذا المبنى بهذا العهد... هذا أولا.
وثانيا: أنه بواسطة هذه الصورة والتاريخ المرفق بها أصبح بالإمكان تقدير فترة زمنية محددة لترجيح أن يكون المبنى قد بني فيها. وهذه الفترة بالتأكيد لن يكون عقد الأربعينيات وما بعده من ضمنها. فتبقى الفترة بين احتلال اجدابيا الذي تجمع المراجع انه تم في عام 1914 م ولكنهم سرعان ما انسحبوا في عام 1915م بعد هزيمتهم في القرضابية وانتفاضة طرابلس. ثم لم يتسنى للطليان العودة لاحتلال اجدابيا مجددا إلا عام 1923م. إذن يرجح أن المبنى تم بناءه في الفترة بين 1923 م – 1939 م, والأرجح ( ولا دليل على ذلك) أنه بني في أواخر العشرينيات من القرن الماضي.
وبهذا الخصوص نقتبس الفقرة التالية حرفياص من كتاب " اجدابيا"مدينة الشمس" للأستاذ مصطفى السعيطي
" كان أول احتلال ايطالي لمدينة اجدابيا قد وقع سنة 1914 م, وذلك عندما رأت القوات الايطالية ضرورة احتلالها , فتحركت قوات برية من قمينس زاحفة بمحاذاة الساحل حتى وصلت إلى مرسى الزويتينة ثم تحركت قوات بحرية من ميناء بنغازي وتوجهت نحو ميناء الزويتينة لكن المجاهدين هاجموها واشتبكوا معها في معركة الرمصة الشهيرة يوم 11/3/1914م. مما اضطر القوات الإيطالية إلى البقاء في أماكنها وعدم تقدمها حتى وصلت القوات البحرية في اليوم التالي وانسحب المجاهدون جنوبا. فيما ظلت القوات الإيطالية في الزويتينة حيث اتخذتها قاعدة لاحتلال اجدابيا. عندما زحفت عليها يوم 16/3/1914م وقصفتها بالمدفعية الثقيلة لكن المدينة استعصت على الغزاة وصمدت أمام ضرباتهم الموجعة , فتراجعت القوات الايطالية إلى قواعدها في الزويتينة حتى تمكنت من احتلال اجدابيا يوم 15/4/1914م. وذلك بمساندة القوات القادمة من قمينس. لكن القوات الايطالية انسحبت من اجدابيا سنة 1915م بعد الهزيمة النكراء التي لحقت بالايطاليين في القرضابية والثورة العارمة التي اندلعت في طرابلس ضدهم , ولم يعودوا إليها إلا سنة 1923م "
إذن , أفترض أن الرؤية أصبحت واضحة الآن تماما , بخصوص كون المبنى إيطالي , وهو أمر لا يحتاج لدليل عموما ... فالمبنى تم بناءه على الطراز المعروف معماريا بالـ " كولونيالي" وهو إيطالي بامتياز . بل ووجدنا ( كما بالصورة أدناه ) كتابة إيطالية على ظهر الحلية المعمارية المميزة للمبنى والموجودة بقمته . وإن لم تكن واضحة تماما حتى نتبين مضمونها وفحواها...لقدم المدة الزمنية ..لكنها كانت واضحة بما يكفي لكي تعرف أنها كتابة إيطالية, ربما استطعت تمييز كلمة واحدة مقروءة وهي كلمة " مودينا" وهو اسم مدينة ايطالية معروفة, لعلها مسقط رأس أحد الجنود الذين كانوا مكلفين بحراسة المبنى , نحتها على هذا الجدار في لحظة حنين لمدينته !!

والصورة أدناه – هي ثاني وثيقة تاريخية مهمة , حصلت عليها مجلة " هنا اجدابيا " بصفة حصرية , من كتاب بالألمانية عنوانه" زحف ومعارك فيلق أفريقيا الألماني" طبع سنة 1943م ووزع حصريا كهدية تذكارية ( سوفينير) لأفراد فيلق أفريقيا الألماني , الذين شاركوا في الحرب العالمية الثانية. وبعث بها إلينا مع صورة مبنى المتصرفية ( فوق) بعد أن صورها بواسطة ( السكانر) الزميل " كونو غروس" من سويسرا.
غلاف الكتاب

صورة حصلت عليها " هنا اجدابيا" حصريا, تنشر لأول مرة على الإنترنت
غلاف الكتاب
و وثيقة ثالثة حصلت عليها حصريا " هنا اجدابيا" تثبت الأهمية الاستراتيجية لمدينة اجدابيا لدى الاحتلال الايطالي في تلك الفترة , وهي عبارة عن ميدالية تذكارية , تم صكها خصيصا بمناسبة الزيارة الملكية لملك إيطاليا " فيتــّـوريو ايمانويلي الثالث" لمدينة اجدابيا في 26 أبريل 1933م . كما هو مكتوب على وجهي الميدالية... وهي من مقتنيات أحد الأصدقاء من هواة جمع العملات القديمة , أحضرها لنا مشكورا لنصورها... ونعتذر عن عدم وضوح الصورة تماما.
الكتابة على الوجه الأول من الميدالية أعلاه تقول بالايطالية:Visita Reali, Agedabia, 26 Aprile1933 XI
على كل حال , وبغض النظر عن هذه الحقائق التاريخية الساطعة وغيرها الكثير... كان لافـتـا ما قاله أحد الأصدقاء الألمان , بأنهم في ألمانيا قد قرروا الإبقاء على مخلفات النازية بكل أشكالها .. وأولها معسكرات الاعتقال الشهيرة , وحجرات الغاز... التي استعملها " هتلر" في محرقته ضد اليهود. وبرر ذلك , بأن الدولة اتخذت هذا القرار لكي تكون هذه المباني والمعالم ...عبرة وعظة للأجيال القادمة .. وشاهدا حيا على فترة مهمة من تاريخ الأمة الألمانية ... أقصد , نحن أيضا , قد يكون من المفيد أن نبقي على هذه المباني التي تعود للفترات التاريخية الماضية ...سواء كانت إيطالية أو غيرها ... ولو من باب العظة للأجيال الحديثة .
ملاحظة : تمت إضافة بسيطة للمبنى في فترة ( العهد البائد) , وتتمثل هذه الإضافة في الشرفة الرئيسية المطلة على شارع الكفرة , حيث وكما تلاحظ ( بالصورة أدناه ), أن هذه الشرفة لم تكن موجودة في صورة المتصرفية التي تعود لعام 1941 م , بينما توجد هذه الشرفة في كل الصور الحديثة للمبنى.

هذا المبنى, وباعتبار أنه صمم أساسا ليكون مقرا للحاكم العسكري الإيطالي بمدينة اجدابيا إبان فترة الاحتلال الإيطالي لبلادنا. فقد تمت عملية البناء مراعية لهذه النقطة, وبالتالي كانت بالمبنى بعض التحصينات والمخارج السرية, والتي لم يتم اكتشافها إلا حديثا جدا. فهناك مثلا- حسب ما أخبرني به أقدم موظف بالمبنى, الذي لا يزال على رأس وظيفته منذ العام 1970م – بأن هناك حجرة (بالصورة أدناه) يعتقد بوجود نفق سري بها, يقود إلى خارج المدينة وإلى منطقة " الحنية" تحديدا. حسب ما أقـر به فريق من علماء آثار أجانب زاروا اجدابيا في السنتين الماضيتين , وزاروا مبنى المتصرفية , واكتشفوا النفق , ودخلوا به وقطعوا مسافة معينة , اضطروا بعدها للخروج بسبب صعوبة مواصلة السير والتهوية الرديئة تحت الأرض( والحديث لا يزال للموظف سابق الذكر). وأنا شخصيا لم أرَ هذا النفق , لأن الحجرة كانت مقفلة. لكن أميل جدا إلى تصديق هذه الرواية .

لـكـن الذي رأيته وصورته من هذه التحصينات الأمنية السرية, هو السرداب الموجود بسقف المبنى , والذي يبلغ حجمه تقريبا 12 مترا طولا , و 6 أمتار عرضا. السرداب كان مغطى ومخبأ بإحكام وكما يبدو (بالصورة أدناه ), لم يتم اكتشافه إلا حديثا. و به مدخلان , لا يستطيع المرء دخوله إلا زحفا . وبه مهبط واحد على الأقل , سري , على هيئة سلم ينزل إلى داخل المبنى. والسرداب يبدو أنه كان مبنيا للاستعمال الأمني , كاختباء الجنود المكلفون بحراسة المبنى به , أو ما شابه ذلك. هذان التحصينان السريان بالمبنى , يبدو أن لهما استعمال كمخرجي طوارئ كذلك, في حالة تعرض المبنى للهجوم.


كما هو واضح بالصورة الأولى أدناه , فإنه لم تكن توجد حديقة تفصل بين مدخل المبنى الرئيسي , وبين شارع " طرابلس الداخلي" بل كان هذا الشارع ينتهي تماما عند المدخل الرئيسي للمبنى , ولو وقفت بشرفة المبنى الرئيسية , أو على سطحه .. فستشعـر بإحساس غريب , بأنك في مركز الحدث . بل وبأنك محور الحدث ! وبناء الحديقة التي فصلت بين شارع "طرابلس" وبين مبنى المتصرفية , كان لها آثر كبير في تحـييد المبنى , وتهميشه .

لكن أي شخص تتاح له فرصة الوقوف في المبنى من النقطة المطلة على شارع طرابلس كما بالصورة أدناه , مازال بإمكانه أن يشعر بتلك الرهبة والأبهة , بكل وضوح.

هذا المبنى تحول الجزء السفلي منه في الجهة المطلة على شارع الكفرة, إلى مكاتب ... مكاتب من جميع الأنواع , ولجميع المصالح والدوائر العامة وغيرها ... لم استطع أن أكمل حصر أسماء المصالح التي تم تخصيص مكاتب لها بهذا المبنى ... فأنت تجد مثلا : مكتبا لمصلحة " المطاعم والمخابز" إلى مكاتب مثل مكتب صحيفة " الزحف الأخضر" والتي لا تصلنا هنا في اجدابيا ولا غيرها من الصحف الرسمية – بما أن الشئ بالشئ يذكر- وعندما سألت موظفا قديما , ولعله أقدم موظف بهذا المبنى على الإطلاق, حيث ذكر لي انه يداوم بنفس الوظيفة منذ سنة 1970م وإلى يوم الناس هذا, فقال لي عندما سألته ما إذا كانت الجهات التي تشغل هذه المكاتب تدفع إيجارا أو ما شابه, بأن المبنى تعود ملكيته للدولة , ممثلة بمصلحة الأملاك, وهي وحدها التي بإمكانها تخصيص المكاتب لمن تشاء أو ترى من الجهات المختلفة. وأنه ليس ثمة إيجارات تدفع للدولة من قبل الجهات التي يتم تخصيص مكاتب لها بالمبنى.
أما الطابق العلوي من المبنى , فتشغله اللجنة الشعبية للاقتصاد بشعبية اجدابيا, وجهاز حماية البيئة ( نعم.. يبدو انه لدينا في اجدابيا جهاز لحماية البيئة!!) لكنه ربما يمارس عمله بحماية البيئة في كوكب المريخ ..إذ لا يبدو على سطح الأرض في اجدابيا أي أثر أو علامة لوجود نشاط لأي جهة لها علاقة بحماية البيئة.
قادتنا عملية البحث لمعرفة الجهة التي كانت وراء إصدار القرار المتعلق بتقشير لياسة واجهة المبنى, إلى جهة واحدة وهي اللجنة الشعبية للاقتصاد بشعبية اجدابيا. وهذه بعض المعلومات التي حصلنا عليها بهذا الخصوص..
أولا: تبين لنا ... أنه لم يكن من المخطط أن يكون مبنى المتصرفية مقرا حاليا لأمانة الاقتصاد, حيث كان العمل جاريا لبناء مقر لهم بالقرب من مسجد " الفلوجة", لكن هذا لم يتم لأن المبنى المذكور تم تخصيصه لأمانة أخرى, وكحل بديل طالبت اللجنة الشعبية للاقتصاد أن تتم صيانة مبنى المتصرفية ليكون مقرا لها. وتمت مخاطبة الشعبية ( السابقة) حينها بهذا الخصوص , وتمت الاستجابة لهذا الطلب بتاريخ ( 16 أو 26) يناير 2005م . بعد أن عينت الشعبية أحد المهندسين من المشروعات الذي قدم تقريره للشعبية, وتمت الموافقة على ضوءه على طلب الصيانة, وتم تكليف شركة من الشركات العاملة في مدينة اجدابيا وهي شركة الأهالي, بعقد صيانة المبنى.
.. و فيما يخص نوع هذه الصيانة.... علمنا , بأن المبنى ليس به مشكلة تسريب مياه الأمطار (( قاطر)) وإنما هو فقط يحتاج لبعض الصيانة التجميلية لواجهة المبنى , وتجديد الأبواب والنوافذ به. على أن يتم الالتزام من قبل الجهة المنفذة للصيانة , بشخصية الطراز التاريخي القديم للمبنى , حتى فيما يخص الأبواب والنوافذ. وعلمنا بهذا الخصوص أنه جرى تداول اقتراح أن تكون واجهة المبنى مكسوة بالرخام (!!!!). لكنه تم رفض هذا الاقتراح بشدة , من قبل الأخوة في أمانة الاقتصاد , لما قد يكون له من آثر على تغيير هيئة وشخصية المبنى بالكامل.
ثالثا: اتضح لنا فيما يخص العمل المتوقف بصيانة المبنى وسببه , و كونه من غير اللائق أن يتم تقشير طبقة اللياسة الخارجية التي كانت تحميه وتركه هكذا ..والشتاء قادم بأمطاره ورعوده على الأبواب!!
بأنه قد كانت هناك مشاكل معينة بخصوص التصعيد والتأخير الذي صاحبه لفترة, ثم بعد التصعيدات الجديدة , تم إلغاء كل العقود التي أبرمتها الشعبية السابقة, من قبل مسئولي الشعبية المصعدين حديثا, ومن ضمن هذه العقود التي تم إلغاءها هو عقد صيانة مبنى المتصرفية. وعلمت " هنا اجدابيا" أنه جارٍ العمل على استثناء عقد صيانة المتصرفية من العقود الملغاة .
وفيما يخص نوع اللياسة ,أو بالأحرى المواد التي ينوون استعمالها في اللياسة الجديدة, علمنا بأنها ستكون لياسة إسمنتية عادية , لكن من النوع الكبريتي.
وبمعاينتنا المباشرة للجزء الذي تتخذه أمانة الاقتصاد مقرا لها من المبنى , لمسنا أن المبنى حالته جيدة جدا, باستثناء بعض التقشير وتساقط الطلاء بسبب قدم المدة الزمنية له- الذي يكثر في بعض الزوايا والحجرات- من الجزء الخاص بأمانة الاقتصاد.






من المعروف أن " المناوبة الشعبية " , قد اتخذت الجزء الخلفي من المبنى وهو المطل بمدخله على شارع " النصر" مقرا لها..
و قد لاحظنا من الخارج أن هناك ثلاثة ثـقوب في الجدار التاريخي للمبنى بجانب مدخل المناوبة الشعبية, وهذه الثقوب يماثل حجمها حجم الباب , و تردد أن المناوبة الشعبية قامت بعمل هذه الأبواب المفترضة لتستغلها للتأجير كمحلات تجارية على شارع " النصر" المعروف بنشاطه التجاري . بعد اقتطاع مساحة معينة من الجزء التابع لها من مبنى المتصرفية لهذا الغرض.
وعلمنا أنه قد توقفت المناوبة الشعبية , عن المضي في مشروعهم التجاري سابق الذكر.. لكن الملاحظ بهذا الخصوص.. أن الثقوب مازالت على حالتها الأولى ...
بدون إطالة وسفسطات لا داعي لها, هذا المبنى لا يصلح مقرا لأي جهة خدمية, عامة أو خاصة. وكذلك يبدو أن عمليات الصيانة المتكررة للمبنى على مر السنوات الأخيرة , لم تكن منظمة ولا وفق رؤية واحدة بل كل جزء من المبنى تمت (( صيانته)) بشكل منفصل عن باقي الأجزاء الأخرى...(!!!!) وهي عملية تدعو للاستغراب على كثير من المستويات...فكيف يمكن لمهندس مختص أن يوافق على هكذا نوع من الصيانة ؟ لا تتماشي مع أبسط شروط المنطق , ودع جانبا حكاية الشروط المهنية الهندسية الصرفة ؟
وبعملية جمع وحسبة بسيطة , للمبالغ* التي تم صرفها على صيانة المبنى في الأعوام الماضية والمبلغ الذي يجري الحديث عنه للصيانة الحالية .. يلاحظ المرء أن مجموع ما صرف على (( صيانة )) المبنى (!!!!) تكفي وتزيد لبناء مبنى واحد جديد على الأقل, مثل مبنى المتصرفية.
إلى جانب أن كل المصالح العامة قد شوهت المبنى بطريقة كبيرة, عن طريق إعادة تقسيم حجراته من الداخل, وتخصيص بعضها كحمامات وإلخ , وهي لم تكن معدة لهذا الغرض . بالإضافة للعشوائية واللامبالاة في التعامل مع المبنى من ناحية تركيب أجهزة تكييف للمكاتب , وما تخلل ذلك من تشويه لجدران المبنى. بالإضافة للتشويه الناتج عن الأبواب الثلاثة , بجانب مدخل المبنى الخلفي المطل على شارع " النصر" الذي تشغله المناوبة الشعبية .


وكون المبنى لا تشرف عليه بأكمله جهة واحدة تكون مسئولة عنه وعن أي تخريب يحدث به, يعرض المبنى لخطر كبير... فبتشتت وتنوع الجهات المنتفعة به, وبالتالي تشتت المسؤولية عنه بين الكثير من المصالح والدوائر العامة التي لا علاقة لها ببعضها , ولا يوجد بينها أي نوع من التنسيق...يعرض المبنى لخطر كبير جدا..
وإذا استمر الحال في مبنى المتصرفية على ما هو عليه الآن, فما هي إلا فترة قصيرة ونودع هذا المبنى الرائع, رمز اجدابيا المعماري إلى الآبـــــد...إلا إذا كان لمن يهمهم الأمر رأيٌ آخر , و أولهم نحن..أنت وأنا ..جميع من يهمهم الصالح العام ..جميع من يهمهم أمر الثقافة .. جميع من يعني لهم شـئ , هـمٌّ جميلٌ اسمهُ : الـــوطــــــن .
للحفاظ على هذا المبنى .. نقترح أن يتم إخلاءه من جميع الجهات العامة أو الخاصة التي تشغله حاليا. وتحويله إلى متحـف أثــري
لماذا متحف أثري بالذات؟! ...
أولا: لأنه آن لنا في اجدابيا أن يكون لدينا متحف مثل الناس بكل بساطة!!! وهذا المبنى أنسب من غيره بكثير لهذه المهمة.
وثانيا: لأنه توجد لدينا في اجدابيا , مجموعة مهمة جدا من الآثار , تتقاسمها بعض المتاحف الليبية, بحجة أنه لا يوجد متحف لحفظها في مدينة اجدابيا!!!!
فـهــــل تـعـلـم مثلا : أنه قد عثر بمنطقة الصحابي جنوبي اجدابيا , على جمجمة " فـيـل الـمـسـتدون" المتحجرة , وبعض أجزاء هيكله العظمي ؟ وأنه قد عثر بها كذلك على هيكل عظمي (( كامل)) لحوت " البال" الضخم, والتي ترجع في عمرها إلى العصر الوسيط أي حوالي 25 مليون سنة. وهل تعلم أنه يحتفظ بهما الآن قسم الجيولوجيا بمتحف التاريخ الطبيعي بالسراي الحمراء بمدينة طرابلس ؟؟؟
يقوم بزيارة هذه الأحافير مجموعات مهمة من العلماء وأهل الاختصاص من أنحاء مختلفة من العالم ...فلماذا لا نحتفظ بها في اجدابيا ..موطنها الأصلي.. وتستفيد المدينة ماديا بوضعها على الخارطة السياحية الليبية ... وكما هو معروف فاجدابيا مجهولة سياحيا..وكل السواح الذين يأتون لبلادنا كل سنة ... لا يعرفون شيئا عن اجدابيا ..وفي أحسن الحالات يأخذونها ممرا للجنوب الليبي الرائع أو الشرق المدهش ( انظر ما هو الاسم الذي أطلقه هذا الموقع السياحي على مدينة اجدابيا) ...ألا تعتقد معي أن المطالبة بتحويل مبنى المتصرفية إلى متحف , هو طلب عادل , وفي وقته تماما؟
وبهذا الخصوص , دعوني أوضح أنه لن يهتم أي شخص أخر غيرنا – نحن أبناء اجدابيا- بموضوع كهذا .. لن يقوم أحد بأخذ قرار كهذا إلا أبناء اجدابيا الذين تهمهم مصلحتها واسمها, أنت وأنا و الآخرين ... وعليه فإنني أقترح اقتراحا عملياً , بأن يتم التوقيع على عريضة بهذا الخصوص.. فنجمع لها أكبر عدد من التوقيعات من أبناء هذه المدينة الذين يهمهم أمر الثقافة , والرقي بها , ونقدم هذه العريضة لأمانة اللجنة الشعبية العامة لشعبية اجدابيا مطالبين بتحويل المتصرفية إلى متحف أثري .
و أقترح بأن يتم الإعلان عن هذه الحملة – حملة " متحف اجدابيا"- وتبنيها من قبل جريدة " أخبار اجدابيا" ... فهل أنتم مستعدون ؟.. هل أنتم مستعدون للوقوف من أجل الثقافة ؟ هل أنتم مستعدون من أجل الرقي بالثقافة في مدينتكم : " مدينة المثقـفين" ...هل سيتحرك المثـقـفـون عمليا هذه المرة .. ويقدمون هذه المساعدة البسيطة لمدينتهم ..؟ وعندها ستكون اجدابيا , فعلا لا قولا : مـدينة المثـقـفـيـن**.
نهار سعيد للجميع...
يوسف مرزوق يوسف

اجدابيا 15 نوفمبر 2005 م
مواضيع ذات صلة:
هذا التقرير منشوراً بالصحيفة المحلية على
ثلاثة أجزاء
الجزء الأول
،
الجزء الثاني
،
الجزء الثالث
ملفات ساخنة الجزء الأول
جريمة في القصر الفاطمي
سجل الزوار