


هـنـا اجـدابـيـا / صـفـحـة الـمـقـالاتمـأمـون فـنـدي -عن صحيفة الشرق الأوسط هل يمكننا مناقشة هذا السؤال بمهنية عالية بعيدا عن التفتيش في النيات؟! اعرف أن مناقشة هذه القضايا نوع من الكفر السياسي، ولكن لا بد من مناقشتها بكثير من الأمانة والمهنية الصحافية. وبالصحافة هنا أعني الصحافة المكتوبة والمرئية بداية أقول إن القضية الفلسطينية تحظى بتغطية عالية لسببين أساسيين؛ السبب الأول، يعود لوجود عدد كبير من الفلسطينيين المهاجرين في الصحافة والتلفزة العربية. وبالنسبة لهؤلاء قضية فلسطين هي قصة سهلة من حيث التغطية، تربى هؤلاء الصحافيون عليها، فعرفوا تاريخها وتفاصيلها وتعرجات مسيرتها إذن وخارج موضوع الحماس حول أهمية هذه القضية، نجد في المقام الاول قصة صحافية سهلة. فالاستسهال وليس الحرفية الصحافية هو الأصل، وإلا لماذا لم نغط "المدونة" المغربية بهذه الحرفية؟! كم منكم يعرف كلمة "المدونة"؟ "المدونة" في السياق المغربي هي المقابل لقوانين الأحوال الشخصية في مصر والجزائر مثلا فيما يخص حقوق المرأة والأسرة عامة. هذه قصة اساسية في المغرب لم تغطها صحافتنا لانها أولا قصة محلية تخص المغاربة فقط، وكذلك لاننا نجهل تفاصيلها، لانه ليس لدينا صحافيون متخصصون في شؤون الاسرة والأحوال الشخصية. كما انه ليس لدينا صحافيون متخصصون في الشمال الأفريقي عامة، والذي يشمل ليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا كما ان صاحب الصحيفة ومدير الاعلانات، يبحثان عن قصة يعرفها الجمهور العريض الذي يحاول المعلن الوصول اليه، لكل هذا لا نغطي القضايا المحلية، لاننا لا نعرفها ولأن القائمين على الجانب التجاري يظنون ان المعلن لا يرغب فيها هذا إن كان الجانب التجاري مهما لبعض الصحف، ولكن الحقيقة المرَّة هي ان معظم تلفزيونات العرب تحقق خسائر عالية، فمثلا نعرف بالأرقام ان تكلفة تشغيل وطباعة الصحافة والتلفزة في العالم العربي من الماء الى الماء هي 15 مليار دولار سنويا، وان عائد الاعلانات هو 1.5 مليار، اذن الخسارة هي 13.5 مليار دولار. تُرى من يدفع هذا المبلغ ولماذا؟ اقول هنا ان مبلغ 13.5 مليار دولار هو ثمن الاعلانات السياسية لا الاعلانات التجارية؛ الاعلانات التي تسوّق لقضايا بعينها تخص الترويج للحكام والأنظمة. اذن ربح الصحافة والتلفزيون يأتي من هذه الاعلانات السياسية التي تخدم القضايا التي تعرّف الناس بالوضع الداخلي وتجعلهم متشبثين بأن كل ما يأتيهم من أزمات ومصائب يرجع إلى الشيطان القادم من الخارج إذن في التركيز على قضايا الخارج، هناك حالة إلهاء وانصراف عن أزمات الداخل، وهذا هو دور الإعلام الحقيقي في العالم العربي، صرف الناس عن مشاكل الداخل، أو تصغير المشاكل الداخلية وتعظيم الخطر الخارجي قلت أن هناك سببين لطغيان القضية الفلسطينية، وتحدثت عن الاستسهال كسبب اول، لأن كثيرا من الصحافيين الفلسطينيين وغيرهم تربوا على هذه القضية. كما ان محاولاتنا ونحن صغار لإثبات أننا نفهم في السياسة هي من أجل امتحان بعضنا بعضا بمعرفة الفصائل الفلسطينية المختلفة من أبي نضال إلى جورج حبش الخ أما السبب الثاني، وهو أمر ينطبق على حالة العراق أيضا، فان فلسطين هي قضية معروفة لكل الجماهير العربية، هي قضية عابرة لحدود الدول، ولذا فمن يرد لصحيفته أو لتلفزيونه أن يقال عنه تلفزيون كل العرب، فلا بد أن يتبنى قضايا عربية كبيرة، فقضية مثل المدونة المغربية او الشكل الاقتصادي لواحد من القطاعات او الشركات في دول عربية، ما هي اقل بكثير من ان يغطيها تلفزيون عربي او صحيفة عربية. لا بد ان تكون القضية الصحافية كبيرة حتى تليق بتلفزيون كبير وصحيفة كبيرة قضايا أخرى تغطى ايضا لأنها سهلة ويمكن لكل من هب ودب ان يكتب فيها، هي قضية الاسلامويين والاسلام السياسي، لان كل من حفظ خمسة احاديث واربع آيات، يستطيع الفتوى في الجهاد وفي الحجاب وغيرها من المسائل في هذا الفضاء الشاسع المليء بالمسلمين من موريتانيا حتى عُمان، يستطيع اي أبله الحديث عن شؤون المسلمين والتعليق عليها. الموضوع سهل والكل يدلي فيه بدلوه، وذلك لغياب المعايير الصارمة التي تحكم العملية الصحافية. لذلك لدينا آلاف المعلقين عن قضية فلسطين ومائة الف كاتب ومفكر اسلامي بالمقارنة، اذا ما نظرت الى صفحات الاقتصاد او البرامج الاقتصادية في التلفزيون والصحافة العربية ستجدها قاحلة وفقيرة للغاية، ذلك لأن الكتابة في الاقتصاد او في القانون، او حتى في شؤون المواصلات وأزماتها هي كتابة تحتاج الى دراسة، وليس منا من يرى ان الصحافة تحتاج الى دراسة، الصحافة عندنا هي الباب الخلفي للنجومية الرخيصة فهذا صحافي مناضل يطل علينا من شاشة التلفزيون ليس ليطلعنا على معلومات جديدة وانما ليقدم نفسه متحدثا باسم الأمة، وان بلده هو "السرة والثورة". مرة يزور أطفال العراق، ومرة يخطب فينا عن الهوان والانبطاح.. الخ. وكلنا يعرف ان هذا الصحافي لا يقرأ لا الانجليزية ولا العربية الصحافي عندنا يصبح بطلا عندما يناقش الدولة العظمى في القضايا التي تطرحها. نتكلم في ختان الاناث فقط عندما تطرح اميركا الموضوع. ونتكلم عن الاقليات عندما تطرح اميركا الموضوع. نحن لا نناقش أقل من الدول العظمى الصحافة معلومة.. من ليست لديه معلومة فعليه أن "ينقطنا بسكاته" ..........في عصر المعلوماتية والمنافسة، لا يكفي للصحافة العربية أن تلجأ إلى الاستسهال على حساب المهنية، أو لا يلجأ صاحب التلفزة أو الجريدة إلى ما يسمى القضايا العربية عابرة الحدود، بدعوى أن المعلن يريد ذلك.. الإعلانات وبالأرقام لا تغطي عجز التلفزة العربية.. إذن لماذا هذا "الاستعباط؟". كيف لنا أن نحل أزمة التلفزة والصحافة العربية؟ بداية علينا أن ندرب أبناءنا في مدرسة الخبر وليس في مدرسة "علو الصوت". ليكن عندنا الصحافي المتخصص في القانون والطب والعمارة والتكنولوجيا والاقتصاد والأعمال، هذا ما ينقصنا. ولا ينقصنا صحافيون متخصصون في فلسطين والعراق والإسلام السياسي لندرب جيلا من الصحافيين يهتم بشؤون المستهلك لهذه الصحافة، يهتم بالفقر والتعليم والصحة والاقتصاد، نحتاج الى صحافة وصحافيين يركزون على قضايا الداخل. أما صحافة الهروب الى قضايا الخارج، فهي صحافة تلهينا عن قضايانا الأولية، وتهرب بنا الى عالم الخارج تبريرا للفشل الداخلي.. ليس هذا تقليلا من شأن فلسطين والعراق، ولكن في كل صحافة العالم حتى الأميركية منها نرى ان 80% من الأخبار والتعليقات ستكون مُنصبة على الاوضاع الداخلية، وربما في أحسن الاحوال فإن 20% تركز على الخارج، ولكن الوضع عندنا مقلوب. قدمت في هذا المقال سببين لهذا الموضوع المقلوب، فليقدم آخرون أسبابا اخرى، إن كانت أسبابي لا ترقى لهم، ولكن شريطة ان يعترفوا اصلا بأنه وضع مــقــلــوب حـــقـــاً مـأمـون فـنـدي -عن صحيفة الشرق الأوسط |