هـنـا اجـدابـيـا
> صـفـحـة الـمـقـالات
|
القصة القصيرة
جداً..إشكاليات الحجم والتجنيس والريادة
|
|
جـمـعــة الــفــاخري *
|
مدخل /

ـ لقد حققت القصة القصيرة جداً حضوراً لافتاً خلال العشر سنواتٍ الأخيرة
بالنظر إلى المُنجز منها على خارطة الأدب العربي بتجددها المستمر ، وتطورها
شكلاً ومضموناً ، فهي تتوخَّى عناصر الشاعرية والخيال والإيجاز والمفارقة ،
وتتنبنَّى أفكاراً ورؤىً فلسفيَّةً ماتعةً ، وتبتعد عن الخطابيَّة والمباشرة
وتنأى عن التقريرية السمجة ، كما أنها ترتكز على الومض والتكثيف والإيجاز ،
وتنبذ الزوائد اللفظية ، و تتجافى عن الإسهاب الإنشائي ، والاستطراد الممل ،
ذلك بقيامها على أقل عددٍ من الكلمات ، وبعباراتٍ برقيّةٍ موجزة ، وإسقاطها
للتفاصيل الكثيرة ، والتركيز على المهم والأساسيّ منها ليسَ إلا .
- إنَّ ارتيادَ القصَّاصين لفضاءات التجريب المستمر ، وطزاجة الأقلام المبدعة
التي تمتحُ من فيوصٍ شديدة الخصوصية ، جعل للقصة القصيرة جداً ملامحها الخاصة
وكيانها المستقل ، ومزاياها الذاتية .
وهي إذ تراهن على وعي المتلقي وسلامة تفكيره وألمعيته ، وقدرته على الاستيعاب
السريع ، وحسن التأويل وصحة القراءة فإنها تشركه في إنجاز النص تأسيساً على
أن الفهم الصحيح للنص كجزءٍ مهمٍّ لاكتمال دائرة المعرفة .
فاستقصاء أبعاد المنجز الأدبي ، والتغلغل في أعماقه لإدراك خفاياه واستكناه
مضامينه ،جانبٌ مهمٌ من جوانب نضجه واكتماله ، و إلا سيفقد النصُّ ألقه
وبريقه وتوهجه ، ويغدو مجردَ نصٍّ عاديٍّ خارج دائرة الإبداع ، فلا يختلف
فعلُ كتابته عَمّا يقترفه العاديّون من هراء ، وما يهرفون به من ألفاظٍ
جوفاءَ عالية السطحية تدلق في الأعماق أطنان الضجر وأرتال الاشمئزاز .
أسباب ظهورها /
القصة القصيرة جداً نتاجُ للمخاض التجريبيِّ المبتدع ، إذ لم تكتفِ مخيلة
المبدع الولود بالوقوف عند طموح معين ، أو مرحلة محددة ، فتمرحلت القصة
القصيرة تدريجياً إلى أن وصلت إلى الـــ ( ق ق ج ) أي القصة القصيرة جداً ،
أو الومضة أو البرقية مجاراةً لروح العصر المتجهة نحو التكثيف والاختصار
وتصغير كل شيء.
- في هذا الصدد يتساءل الناقد السوداني مبارك الصادق محمَّدين عن ظاهرة القصة
القصيرة جداً قائلاً : " لابدَّ لنا من أن نسأل أنفسنا عن هذه الكبسولة : أهي
تطوّرٌ طبيعيٌّ للقصة القصيرة ؟ أم هي قفزةٌ في الظلام .. ؟ هل هذه الكبسولات
تحمل الخصائصُ الإبداعية للقصة القصيرة كما تعارف عليها .. ؟
هل يمكن أن نطلق عليها قصة قصيرة ونحن مطمئنون إلى انتمائها لهذا الجنس من
الإبداع ؟
ما هي الظروف التي أملتها ؟ أهي سرعة إيقاع الحياة ؟ أهي ثورة المعلومات
وتدفقها ؟ وتطور أجهزة الاتصال .. ؟
- لقد كان مبارك محمدين يطرح أسئلة تحمل في طيَّاهتها أجوبة واضحةً ، لكنَّ
آخرين توصَّلوا التعليلات لتفسير ظاهرة لجوء عديد المبدعين للقصة القصيرة
جداً ، ولعل الناقد نجيب الكيالي هو أبرز من علَّل بروز هذا الجنس الأدبي
المستحدث في المشهد الإبداعي مجملاً تلك الأسباب في الجوانب التالية :
أولاً ـ الاستجابةُ لروح العصر القائمة على السرعة والاختصار والتكثيف
واستبدال الحجوم الصغيرة بالكبيرة ، فالمذياع صار صغيراً والسيارة والمسكن ،
والحاسوب جرى تصغيرُهُ أكثر من مرة حتى غدا يحمل في الجيب ، وكثيراً ما نجد
العصر يطالبنا بأن نختصر المُخْتَصَرَ ، ونُكَّثِفَ الْمُكَثَّفَ ، ونومئ
بدلاً من أن نتكلم ، إذن كيف لا ينعكس هذا كله على فن القصِّ ... ؟
ثانياً ـ التأثر بالترجمة والفنون الأخرى والتراث :
تَرَكَ ما ترجم إلى العربية من نصوص القصة القصيرة جداً أثراً لا يمكن
الاستخفافُ به ، ولاسيما أنه جاء مُلبيّاً للحاجة التي ولّدها العصُر في
النفوس ، ولعلّ الأهمَّ من عامل الترجمة أن أكثر الفنون صارت تميل إلى
الإيجاز في لغاتها التعبيرية ، فاللوحة مثلاً لم تعد تقدّم الأشكالَ كاملةً ،
وإنما تكتفي منها بخطٍ أو خطين ، والأغنية قلمَّا نجدها تخرج عن الاقتصاد في
عدد الكلمات وزمن اللحن ، حتى إن معظمها صار لا يعطى مساحة عشر دقائق .
والشعر مالَ جزءٌ منه إلى المقطَّعات ، والقصيدة القصيرة جداً لها حضورٌ ما .
حتى إنَّ نزار قباني كان يحرص في كل أمسيّة من أماسيّه على إلقاء نماذج منها
.
أعتقد أن القاصّين والقاصّات إذا لم تصل إليهم وإليهنَّ هذه المؤثرات
فسيكونون أناساً من خشب . "
- بينما يرى الناقد هايل محمد الطالب " أن أسباب ظهور القصة القصيرة جداً سبب
سيكولوجي مرضي واحد هو ( حُمَّى الريادة ) "
و يرى أن هذا النوع بحسب رأيه " لم يكن ليظهر لولا رغبة بعض النقاد والكتاب
الجامحة في أن تكون أسماؤهم تحت الضوء"
معلِّلاً تهمه تلك بأن ترويج هؤلاء لـ ( ق . ق . ج ) وسيعيهم إلى الندوات
والمهرجانات يشبه ما جرى في النصف الثاني من القرن المنصرم حول مسألة الريادة
في قصيدة التفعيلة .
إشكالية التسمية /
كان الناقد يوسف سامي اليوسف أوّل من استعمل مصطلح ( البرقي – البرقية ) في
وصف القصة القصيرة جداً ، وذلك في مقالته التي نشرت في مجلة ( إلى الأمام )
بالعدد 2285 سنة 1995 .
" البعض الآخر يسمونها الومضة ، فيما ذهبت فرقة من الكتاب والنقاد إلى
تسميتها ( بالقصة الكبسولة أو البرشامة )
لكن الدكتور أحمد جاسم الحسين الذي يُعَدُّ من أكثر المتحمِّسين لهذا الجنس
الأدبيّ فأسماه ( ق . ق . ج ) في كتابه الرائد ( القصة القصيرة جداً ) والذي
تطرَّقَ فيه إلى كل جوانبِ القصة القصيرة جداً بأركانها وسماتها وتقنياتها .
فيما يطلق البعض عليها الأقصوصة ، أو الكبسولة أو البرشامة .
عناصرها /
1- التكثيف ( الكثافة ) : ويقُصدُ بالتكثيف أن يكون داخلُ القصة شديدَ
الامتلاءِ ، وأن يتميز كلُّ ما فيها من حدثٍ وحوارٍ وشخصياتٍ وخيالٍ بالتركيز
العالي ، بحيث يتولد منها نصُّ صغيرُ الحجم لكنه كبير الفعل كالرصاصة وصرخة
الميلاد ، ومن البدهي أن هذه البنية لا تقبلُ الترهُّلُ اللغويَّ و لا نحنحات
السرد التقليدية ، كما يقول نجيب الكيالي.
ثم يضيف : " ولكي تكون هذه الكثافة مثمرةً ، وفي أحسن حالاتها لابدَّ أن
يتعامل الكاتب مع لبابِ اللباب من القضايا التي يُعالجها ، ومع الساخن
والمحرق من المواقف الاجتماعية ، والسياسية والإنسانية ، ومع المتوتر
الإشكالي من الشخصيات .
2 ـ الإيماض : وهو الاعتماد على العبارة البرقية القصيرة والمعبِّرَة دون حشو
القصة القصيرة جداً بزوائد لفظية ترهق كاهل النصِّ أكثر من خدمته ، وكما قال
أحدهم : " إن القصة القصيرة جداً تطالب بلغة كالحصان رشاقةً وسرعةً في إيصال
المضمون .. " لكنها لا تعني الاشتغال على لغة شعريَّة فقط ، وصور بيانية
جميلة يمكن أن ترهق عناصر القص الأخرى .
3 ـ الموضوع : اختيار الموضوع المناسب سببّ مهم لنجاح القاص في التأثير في
المتلقي ، فبعض الأحداث التافهة تطلق رصاصاً داخلياً على النصِّ ، و من ثمَّ تميته بسذاجتها وانحطاطها ، فمن المهمِّ تخيَّر موضوعة القصة القصيرة جداً
لتحقيق الأهداف المرجوة منها .
4- المجاز / : تُظْهِرُ القصةُ القصيرةُ جداً اهتماماً كبيراً بلغة المجاز لا
لغة الحقيقة ، لأن مَادتها ليست إلا أطيافُ الواقع ، لا الواقع نفسه ، وظلالُ
الحياة ، لا الحياة نفسها "
ولعلَّ أنجح هذا النوع من القصص هو الذي يجنح للمجاز المفرط .
5- المفارقة / وتعني في أبسط صورها القصصية : " جريان حدثٍ بصورةً عفويةٍ على
حساب حدث آخر هو المقصود في النهاية ، أو هي تُعرِّفُ الشخصية ، تعَرِّفُ
الجاهل بحقيقة ما يدور حوله من أمور متناقضة لوضعها الحقيقي " ، فالمفارقة
هنا دراميّة .
والمفارقة بلاغياً تعني : " قولَ المرء نقيض ما يعنيه لتأكيد المدح بما يشبه
الذَّم ، وتأكيد الذمِّ بما يشبه المدح " .
وهي في القصة القصيرة جداً لعبةّ فنية أو تقنية قصصية لا غاية لها إلا الخروج
على السرد ، وهو خروج يبعث على الإثارةِ والتشويق المتحقق من ثنائية المفارقة
التي من الممكن أن تحمل أبعاد التقابل أو التضاد ، الرفض أو القبول ، الواقعي
وغير الواقعي المؤمل أو المتخيل .
ويرى محمد غازي التدمري " أن المفارقة هي العنصر الأهم في بنية القصة القصيرة
جداً ، لأنها الحامل الأهم في تحريك كمون شحنة اللغة باتجاه الفعل الذي
يحَرِّكُ بدوره أنساق الدلالات بهدف الانتقال من الانفعال إلى الفعل مشكلاً
حركة تصادميَّة تسعى إلى تعميق إحساس المتلقي بالأشياء المحيطة به .
ومن وظائفها التقنية تشكيل الصدمة الإدهاشية لا أن توجز حالة ما ، ويضيف : "
تأخذ المفارقة أبعادها الإدهاشية من ثنائية الموقف الذي من الممكن أن يكون في
لحظاته الأولى مؤثراً ودافعاً ، ثم يزداد قوة ، وترتفع وثيرة حرارته ، وهو
يتنقل من حالة فجائية إلى حالة استفزازية نابعة من موقفٍ ما ، مدلّلاً بإحدى
قصصه التي نشرها بجريدة العروبة :
على مقعد متباعدين جلسا
سألها : بمَ تحلم ؟
- بهمسٍ دافئٍ حنونٍ .
اقتربا أكثر..
سألته بمَ تفكر ؟
- بليلِ طويلٍ دافئٍ
- التصقا ..
زعق حارسُ الحديقة ..!؟
- يقول التدمري :" المفارقة تزيد إحساسنا بالأمر ، إنها تسهم في تعميق فهمنا
للأمور وإيصالها بطريقةٍ إيحائية أجدى من الطريقة المباشرة ، وبما أنها خلاصة
ومُعطى فإنها تتكئ على كثير من الأدوات والرموز التي تشارك في تشكيل بنيتها ،
و لا يمكن إدراكها تماماً إلا من خلال النصوص فهي ( تختفي كلما اقترب المرءُ
منها ) إذاً فهي تقنية ناتجةٍ عن عناصر ، لكنها تقنيةٌ تكثيفيَّة تسهمُ مثل
غيرها من التقنيات ( بأسلوبها الخاص ) في قول الموضوعات الجزئية بطريقة
تكثيفية فنية ، وهى بتعبير ( دي . سي . ميويل ) " فن قولِ شيءٍ ما دون أن
يُقالَ من قيلُ "
6- الحالة : ليست الحالة في القصة القصيرة جداً حدثاً أو لقطة يُوغل القاصُّ
في تفصيل مسرودها على أركان الحكاية أو الرواية التي تفترض الحدث معماراً
لسرد وقائع الحالة : الموضوع الحدث وما يمكن إفرازه من حالات خاصة أو عامة ،
فهي بمعنى آخر ليست حالة استرخاءٍ فكريٍّ أو أسلوبيٍّ ، لأنها ليست وضعاً
توصيفيَّاً لفكرة القصة ، إنها تجسيد لذلك كله ، لأنّها تُخمدُ الاحتمالات
المنظمة للعلاقات السائدة في بُنى القصة القصيرة جداً ، فهي حالة وعي ف ذات
المبدع الذي يملك قوة الرؤية ، ورهافة السمع ، ودقة الملاحظة ، مما يُسهم في
نقل الحالة إلى المتلقي ، وهي تمهد للمفاجأة عن طريق الخاتمة الحاملة لعنصري
الإدهاش والاستفزاز ، فهي حالة تبكيت لمواجع النفس الإنسانية .
7-
الخاتمة : وهي في القصة القصيرة جداً تشكل الغاية والهدف ، لذلك فهي تختلف عن
أساليب الخاتمة في القصة القصيرة التي من الممكن أن تكون واضحة أو مُرَمّزَة
، أو مفتوحة على احتمالات كثيرة ، أما في القصة القصيرة جداً فإن الخاتمة
فيها وليدة السرد ، أو إحدى مفرزاته ، كما إنها ليست معنيَّة بالمضمون الذي
من الممكن أن يفرض خاتمة ما .. بل هي الحامل الأقوى لعناصر القصة القصيرة
جداً ، فهي قفزة من داخل النص المتحفز إلى خارجه الإدهاشي والاستفزازي ، فهي
" مَجْلَى النصِّ في دَاله ومدلوله ، ويتوشَّج كلاهما دون أن يحاول أحدهما
تعويم الآخر ، أو الإساءة إليه أو تقزيمه "
- يقول الناقد الشكلي الروسي ( ايخينباوم ) " إن جوهر القصة القصيرة يتأكد في
حشدها لكل ثقلها في اتجاه النهاية ، عنها كالقنبلة التي تُلقى من طائرةٍ يكون
هدفها إصابة الهدف بكل طاقتها الانفجارية "
8 -
الفعلية : وتعني تركيزَ القاصِّ على الاعتماد كثيراً على استعمال الأفعال
لمنح القصة القصيرة جداً حركة داخلية تعطيها حياةً وحيوية ، ولإيجاز الزمن
عبر الانتقال بواسطة عبارات فعلية قصيرة مكثفة وامضة ذات إيحاءات متعددة .
9 -
العنوان : من المهمِّ اختيار العنوان المناسب للقصة القصيرة جداً مع مراعاة
ألاَّ يشير العنوان مباشرة إلى مضمون النص للحفاظ عنصري الإثارة والتشويق ،
ولعدم كشف المفارقة التي يخبئِّها النصُّ ، كما يفضَّلُ أن يكون العنوان
مُوْجَزاً ، وحبَّذا لو كان كلمةً واحدة نكرة لتعدد الدلالات التي تتيحها
النكرات في القراءة والتأويل .
الحجم / مقياس الحجم معقد ومضلل – فهي إذا دارت في فلك سطر أو سطرين فأي
أدوات قص يمكن أن تستعمل في هذا المساحة الضيقة ( الزنقة ) .
جذورها /
وجود الخبر ، الطرفة ، الشذرة – الخاطرة شجعت الأدباء على كتابة هذا
الجنس الأدبي المبتكر والمحسّن .
التجنيس /
لا تنتمي القصة القصيرة جداً لغير القصة ، فهي القصة مقطرة ، أو
مكثفة أو مضغوطة وإن استعارت بعض تقنياتها الفنية من آداب أخرى ، وهذا لا
يعني اتكاءها عليها وإنما من باب توحد كل صنوف الأدب لخدمة الأدب .
تقاطعها مع الشعر :
أخذ بعض النقاد على كتَّابها استعارتهم من الشعر بعض
تقنياته وانزياحاته ، فهذه الاستعارة تؤدي إلى التداخل بين هذين الفنَّين ،
فبعض كتابها أرسلوا مقطوعاتهم إلى بعض الصحف والمجلات على أنها قصة قصيرة
جداً ، ولما طبعت كتباً نشرت على أنها قصيدة نثر .. ! ؟
ويطلب الناقد هايل محمد الطالب البيّنة لفكِّ الاشتباك بين قصيدة النثر و (
ق. ق. ج ) المتكئة على اللغة الشعرية ، وفي هذه المسألة يقول الناقد نجيب
الكيالى " إن هذا الاشتباك حاَصلٌ في نصوصٍ كثيرةٍ ، وانه سلاحٌ قويّ في أيدي
الخصوم ، والشعرية أيضاً قد تمدد بصورةٍ مَرَضيَّة داخل ( ق. ق.ج ) فتعمل بها
ما يعمل السرطان بالجسم السليم .
لكنه يبرر اتكاء الــ ( ق.ق.ج ) على الشعر بقوله : " لكن القصة القصيرة جداً
– على الرغم من هذا كله – يمكنها أن تستفيد من أدواتها " . وقد أقر هايل
الطالب نفسُه بمسألةِ انفتاح الأجناس الأدبية بعضها على بعضها " فيما يرى
نجيب الكيالي " أن هذه الاستفادة مقيدة بشرط واحد هو ألاّ يطغى الشعر على
بنيتها القصصية ، ففكِّ الاشتباكِ أساسه هذا الأمر ، وهو مقياس بسيط وواضح .
وقد تكون الشاعرية ، لا الشعرُ هي الأولى بأن تستعين بها القصة القصيرة جداً
، فالشاعرية موجودة بكثافة أحياناً في الكلام النثري والشعبي ، وهي تُغني عن
المطمطة التي يجرُّ إليها السردُ العادىُّ .
أعلامها /
عربياً : في ريادة هذا الجنس الأدبي يأتي جبران خليل جبران وزكريا تامر مع ما
في قصصه القصيرة جداً من إسهابٍ وإطالة ، كما أن القاص السوري عادل أبوشنب
نشر قصصاً قصيرة جداً سنة 1961 م ، ونشر وليد إخلاصي سنة 1972 ف بعض قصصه
القصيرة جداً ، فيما نشر نبيل جديد قصصاً قصيرة جداً سنة 1976 ف وذلك على
صفحات الجرائد هنا وهناك .
ومن أبرز كتابها العرب : د.أحمد زياد محبّك ، أحمد دوغان ، ضياء قصبحى ،
د.جمال طحان ، محمد قراينا ، محمود علي السعيد . بشار خليلي ، د.نضال الصالح
، د. محمد محي الدين مينو ، خطيب بدلة ابومرداس .
أشهر كتابها محلياً : عبد الله الخوجة الذي يعدَّ رائد القصة القصيرة جداً في
ليبيا ، محمد المسلاتي – سالم العبار – أحمد يوسف عقيلة ، الصديق بودوارة ،
نجوى بن شتوان ، محمد الأصفر – صالح عباس – رحاب شنيب – إبراهيم الككلي –
محمد زيدان – آمال العيادي وجمعة الفاخرى .
ختاماً أرى أنَّه من الأوفق أن أَختمَ هذه الدراسة بهذا القول للكاتب
السوداني الناقد مبارك الصادق محمدين إذ يقول :
" إن القصة القصيرة جداً تحمل بعض خصائص القصة القصيرة من تعتيم وإضاءة
وفضاءات وأزمنة وسردٍ وحوارٍ ، وإنها حاولت من خلال لغتها الشعرية المكثفة ،
وطاقتها الإبداعية الرائعة أن تدلف إلى الحياة لتعبدَ تشكيل فوضاها المنظمة ،
ونظامها الفوضوي . وإنها استطاعت أن تقدم الجميل بذلك التدفقّ العاطفىّ في
ثرائه وزخمه المتألقّ مُحلَّقةً في أجواءَ عاليةٍ ذات ألوانٍ أرجوانية ، إنها
أقاصيصُ تُرهصُ بالمستقبل الواعدِ ، وطاقة يجب توظيفها " .
" بيد أن هذا الشكل من الكتابةِ لا يُغني عن القصة القصيرة في بنيتها الأصلية
، في تجلياتها الكلية عبر عوالمها الأثيرة المثيرة في طولها المناسب ، في
أجوائها الرامزةِ ، في غنائيتها الشاعرة ، في انسيابها وتدفقها ، في إمساكها
باللحظات الهاربة ، ومحاولتها إسباغ الثبات على ما هو في جوهره متحرك ،
وللقصة القصيرة إلى جانب ذلك كله اكتنازُها الثريُّ بالمعارف والخبرات
والتجارب والشخوص ذوي الملامح المحددةِ .
- سحُرها وغموضها وفرادتها :
ويقول عن الـــ (ق.ق.ج) الكبسولة ابنة الصحافة اليومية وربيبتها ، إنها
اللحظة العابرة تتوهّج في لحظتها كما النيزك ..
إنها لا تملك شرط الصيرورة والديمومة وإمكانية استدعائها والتوقف عندها ،
إنها ابنة سرعة إيقاع الحياة السريعة ، ومتغيرات المرحلة ، أسهمت في إيجادها
الظروف ، بيد أنها ليست كالعلاج الناجح ، ولكنها كبسولة عند اللزوم .
جـمـعـة الـفـاخـري
*
هذه المقالة قدمها الأستاذ, جمعة الفاخري , في ندوة القصة القصيرة- طبرق /
أبريل 2005 م.
|