هـنـا اجـدابـيـا
> صـفـحـة الـمـقـالات
|
مات الإحساس .. واغتيلت
إيناس |
|
محمد
بوبكر المعدانى
الاثنين23 يناير 2006 م |
"
إخوتي:
القائمين على هذا الموقع الهادف, تحيه
طيبه وبعد..
هذا المقال لم ينشر في أي
موقع على الشبكة إلى هذه اللحظة .. واهديه إلى كافة سكان
مدينة اجدابيا .."
عادة ما نتألم بحرقة حينما
ندهس (قطة) يقودها قدرها إلى إطارات
السيارة التي نقودها بالسرعة التي يسمح بها قانون
المرور..نشعر بعقدة الذنب ونلوم
أنفسنا بشدة على ارتكاب هذه الجريمة التي لم تكن عن سبق
إصرار أو ترصد..ولا يعاقب
عليها القانون.
وهذا هو السلوك الطبيعي لكل من يتصف بالإنسانية
ويمتلك ضمير حي
ويشعر بالأحاسيس والمشاعر.
أما أن تزهق روح إنسانه كرمها الله عز وجل عن سائر
خلقه وتعامل معاملة (القطط) .. فذلك يعنى أن
الإحساس قد قتل وان الضمير عند بعض
ممن ينتمون لبنى البشر قد اغتيل ... وهذا ما يدعو
للنحيب.
ومن خلال معايشتي
للقصة المروعة التي تابع أحداثها الدامية كافة
المقيمين في مدينتي بنغازي واجدابيا,
وكانت بطلتها الطفلة البريئة "إيناس فرج سعد الزوى"..
أستطيع أن أؤكد أن هذه الوردة
الزكية العابقة العبير التي اقتطفتها يد الغدر ورمتها
بمستنقع سبخة "اللثامة" ... هي
ابنة كل الليبيين. 
وحدت "إيناس" أحاسيس ومشاعر كل من تجري في عروقهم
دماء حرة
تعشق تراب هذا الوطن وتستنكر المساس بأطفاله الذين يمثلون مستقبله.
أصبحت"
إيناس" حديث الساعة حينما أعلن والدها عن نبأ
فقدانها يوم 6-12-2005 الساعة الثامنة
والنصف ليلاً من أمام خيمة عزاء جدتها بحي" سيدي
يونس" .. وتصدرت صورتها الجميلة
صفحات صحيفة "أخبار بنغازي" وبعض مواقع الإنترنت.
ذهل الجميع لهذا الخبر
المفجع .. فقضية فقدانها تمثل ناقوس خطر يتهدد
الأمن والطمأنينة التي ننعم بها في
المجتمع المترابط الذي لم يشهد جرائم خطف الأطفال
الذي تشهده العديد من
المجتمعات.
كثرت الأقاويل حينما غابت "إيناس" واستمر غيابها
.
لغز
اختفائها حير كافة المواطنين واستعصى على الجميع فك
طلاسمه.
أصبح الكل يحاول
إيجاد التحليل المنطقي لاختفاء طفلة لا يتعدى
عمرها الربيع الثالث وفشلت كل
المحاولات الجادة في العثور عليها على قيد الحياة أو جثة
هامدة.
تضامن الناس
جميعاً والتفوا حول عائلة إيناس .. فالناس بالناس
والناس لبعضها. قاسموهم الأحزان
والترقب والبحث المضني عن بقعة الضوء التي تلاشت في عتمة
الظلام..
شعرت كل أم
في بلادنا بأحاسيس أم إيناس التي انتزعت فلذة
كبدها من جوفها دون إي ذنب اقترفته
تجاه من قام بانتزاعها .
في تلك الليالي العاصفة بموجات البرد القارس ..
كانت تشعر
بطفلتها جائعة ..عطشى .. تفترش الأرض وتلتحف السماء
.
مع كل رنة هاتف
ينتفض قلبها بشدة كأنما يحاول القفز من قفصها
الصدري .. وبعد انتهاء المكالمة تحس
بأن فؤادها يكاد يتوقف عن الخفقان..الألم يعتصره
والحيرة تعصف به كما تعصف الرياح
العاتية بأوراق الخريف.
الروايات التي نسجت عن المصير الذي آلت إليه هذه
الطفلة
البريئة خلال الأسابيع الثلاثة التي سبقت العثور على جثتها وإحالتها على
الطبيب
الشرعي.. جعلت عائلتها والعديد من العائلات تشعر بالدهشة والفزع.
والإشاعات
التي يؤكدها أصحاب النفوس المريضة الذين وجدوا هذه
القضية مرتعاً خصباً لبث سمومهم
التي تتناقلها الألسن وتنتشر بين الناس إلى أن تصل إلى
مسامع أسرتها المفجوعة
المنهمكة في البحث و التحري عن صغيرتهم, تأجج النار في
صدورهم وتزيد من لوعتهم
ومعاناتهم .
قيل أن إيناس وقعت في شباك إحدى العصابات
الإجرامية التي
تحترف سرقة الأطفال وأنها تمكنت من تهريبها خارج ارض
الوطن لتدريبها على السرقة أو
التسول في مكان ما على وجه البسيطة .. وقيل إن أعضاء
جسدها الصغير تم استئصالها
وتهريب ما يمكن بيعه منها .. كما قيل إن ساحرة اختطفتها
.. استقطرت دمها وانتزعت
قلبها لتستغلها في أعمال السحر والشعوذة.
والحقيقة ضلت غائبة إلى يوم
28-12-2005 الذي وجدت فيه إيناس بلا روح مرمية في
مياه سبخة "اللثامة" ... وجهها
البرئ منكس في المياه المالحة التي سلخت خصلات شعرها
ونفخت جسمها.
(( هي إيناس...
)) ..قالها والدها, والعبرات تخنقه, حينما أستدعى للتعرف
على الجثة . لم يستطيع
النظر إلى
صفحات وجهها الملائكي الذي شوهته تربة السبحة .. ولكنه أكد أنها ابنته من
خلال الحذاء
الذي ربطت خيوطه والدتها .. والأقراط التي كانت تزين
أذنيها.
الطبيب الشرعي أكد في تقريره أنها توفيت يوم
فقدانها نتيجة كسر في
الجمجمة وتهشم في الأضلاع ... والاحتمال الأرجح أن تلك
الإصابات ناجمة عن صدمة
سيارة.
والواقع أننا كثيراً ما نسمع عن حوادث القتل التي
يتعرض لها المشاة
والتي يحاول فيها القاتل إنقاذ القتيل ثم يسلم نفسه
للعدالة .. وعادة ما تنتهي
القضية بالصلح دون أن يتعرض لأي عقاب سوى عقاب الضمير..
ولكن مرتكب هذه الجريمة
الشنعاء الذي اغتال "إيناس".. كانت أحاسيسه ميتة
وضميره مقتولاً.
محمد
بوبكر المعدانى
كاتب ومحرر صحفي ,,, بنغازي
|