هـنـا اجـدابـيـا
> صـفـحـة الـمـقـالات
|
هذا ما أردتُ أن
أقوله... |
|
عماد الأخضر الورغي* |
السلام عليكم و رحمة الله ....
"عيد سعيد وكل عام و أنتم بخير" وبعد, لقد تركت زيارتي لمدينة أجدابيا في
النفس الكثير وكأنها تعرفني و أعرفها منذ زمن بعيد, كما أن رحابة صدور كم
فسحت لي المجال رحبا للاندماج بينكم حتى أصبحتم أهلي.
لهذا اسمحوا لي ببعض الحديث عن أجدابيا كما رأيتها, وكما بقيت في الذاكرة,
وكما أريدها أن تكون ,عبر هذا الخطاب المتواضع...
أجدابيا مدينة الشمس ومعبرٌ للتاريخ ..أجدابيا " مدينة الشمس ", هكذا
اختصر الأستاذ الجليل "مصطفى السعيطي" كل الكلام وكل المسافات بينه وبين
موطنه.وعلى قدر عمق هذه الصورة يبدو الكلام صعباً ومساحة التأويل أرحب ولا
أظن أن هنالك معنى واحد يمكن أن يحتوي أجدابيا وينفذ إلي عمقها, هي فعلا
مدينة النور ومدينة الدفء ومدينة الصفاء وهي منبت الرجال الكرام وهي في
الماضي أم رحبة الصدر, حضنت كل الوافدين ولهم فيها أثار وبنيان شامخات إلى
اليوم.
عندما حط بي الرحال في هذه المدينة لم يكن لي في الذاكرة سوى بعض الزاد,
فقرات من هنا و هنالك مما قاله القدماء الذين مروا بهذه المدينة: بن حوقل و
الإدريسي و البكري وغيرهم. و كنت أظن أني قد بلغت المنى, غير أني منذ شروق
أول شمس لي هنالك أحسست أني لا أعلم شيئا.. وأني فقط سوف أبدأ من حيث وقف
هؤلاء الذين مروا من هذا المكان, وكثير غيرهم من بعدهم : أجستينو سيرفيلي
وج.ر با شو و جيمس هملتون و جيرهارد رولفس وأخرين.
وكلهم نقلوا لنا الكثير عن التا ريخ و الجغرافيا و الناس والمعما ر.
وكثيرة هي الصور لمدينة ضاربة في أعماق التاريخ عرفت أعظم الحضارات التي عر
فها المتوسط,إلى جانب الحضارة المحلية...
لا شك كذلك ,أنها عرفت بطريقة أو بأخرى الحضارة الفينيقية كما أنها عرفت
الرومان والعرب . كلٌ حسب تأثيره و حسب تقديراته الاستراتيجية لهذه المدينة,
وكثيرة هي الدلائل التي لاتزال إلى اليوم شاهدة على ذلك.
أثار روما نية وأثار إسلامية بارزة ,هي اليوم محط اهتمام الدارسين من مختلف
أنحا ء العالم...و لعل ما بقي من التراث الإسلامي العربي أبرز شواهده: "مسجد
جامع", يشبه في تخطيطه مساجد أكبر العواصم العربية و" قصر" يعود للعهد
الفاطمي ,هو اليوم درة اجدابيا , وهو على قدر كبير من الثبات جعل منه نموذجا
لدراسة المعمار الفاطمي.. وهو بذلك قبلة للباحثين,إلى جانب اللقى الأثرية
الأخرى الموزعة في المتاحف ...
فلا تزال اجدابيا هذه الأرض الطيبة حبلى بذاكرة الماضي و حق لأهلها أن
يفتخروا بذلك.
إن هذا الإرث, ما ظهر منه و ما خفي... هو ملك لأهلها قبل كل شيء و هو
رمزها وهو جزء لا يتجزأ من هويتها وشخصيتها ,أو أبعد من ذلك هو درعها وهو
سلاحها .
فما نتعرض له اليوم من هجمة استعمارية ير تكز في مخططه على العمل على تشويه
صورتنا الماضية والحاضرة, حيث ألصق بنا التطرف و الإرهاب واللاعقلانية
وغيرها...
و على العكس من ذلك إن في حاضرنا وفي ارثنا ما يخرس كل هذه الأصوات و ما يفند
ادعاءاتها ..
فنحن نملك تراثا ماديا و روحيا عميقا في إنسانيته وعظيما في إنشائه وابتكاره
لن يتزعزع, شامخٌ في أهله و إن أصابهم الانكسار....
إن هذا الإرث ليس في حاجة إلى هذه الشهادة وهذا التمجيد باعتباره أرقى وأعظم
من كل ذلك, إنما فقط يحتاج منا الإيمان به و الحفاظ عليه وحمايته و الاستنباط
من جوهره ما هو مفيدٌ لنا اليوم و غدا.. وما يجعلنا في مأمن من التفسخ و
الانحدار.
فالحفاظ على هذا الموروث هو مطلب إنساني قيمي وهو مطلب وطني و نضالي لا
يجب أن نغفل عنه قط ..شأنه شأ ن كل المقومات الإستراتجية الأخرى لتنمية
الوطن و نهضته..
إني مدركٌ غاية الإدراك أن هذه القناعة راسخة في عقول أهل اجدابيا كما هي
راسخة في عقول كل العرب الأحرار والمناضلين من أجل غد أفضل. لقد لمست ذلك عند
كل مثقفي مدينة اجدابيا وكل الذين التقيتهم في الجماهيرية ولقد علمت وتعلمت
الكثير...
وكما سعدت النفس بذلك , ضاقت الروح وفزعت من بعض المظاهر التي لاحظتها سواء
في المسجد الجامع أو بالقصر الفاطمي...
فبالنسبة للمسجد
لاحظت اختلافا واضحا بين الصور الأولى لهذا الموقع إبان اكتشافه وبين الحالة
التي هو عليها اليوم وكأن بعض مكوناته قد أتلفت وهو ما يفرض علينا المسارعة
إلى حمايته و إظهاره أكثر و صيانته بشكل دائم و منتظم...
أما "القصر الفاطمي" فاني أخجل إذا رددت ما رأيت احتراما للماضي وأملا في
الحاضر... فقط إن عدت يوما إلى هذا المكان فسوف أزرع أرضه وردا وشجرا و أحميه
من كل سوء لأنه جوهرة لا تقدر بثمن و هو روح ملهمة حية على الدوام , و إن
قتله هو انتحار لا مغفرة بعده ..
إن الحفاظ على هذا الإرث و العناية به, لا يعني في جوهره تقديرا لهذا الماضي
واحتراما له, بل هو يعكس قناعات الحاضر والنظرة للحياة ككل ..
سلمتِ يا اجدابيا و سلم أهلك...
أخــوكـم...
عماد الأخضر الورغي...
الجمهورية التونسية.
* الأستاذ عماد الورغي, هو باحث في التاريخ
الإسلامي , وطالب دراسات عليا بجامعة منـّوبة التونسية, زار اجدابيا مؤخرا في
إطار إعداده لبحث عن بعض الكنوز الأثرية بها.
|